بل نفى الشارع الحكيم صفة الإيمان عن الشخص الذي لا يأمن جاره بغيه وظلمه وتعديه. قال النبي صلى الله عليه وسلم «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل من يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال صلى الله عليه وسلم «الذي لا يؤمن جاره بوائقه» [1] وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا «من كان يومن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره» [2] .
ومما يؤكد عظم المؤاخذة على الإضرار بالجار أن الشارع جعله ذنبا عظيما يحبط الأعمال الصالحة، ويجازي عليه بالنار، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام، حرم الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم «لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام فقال صلى الله عليه وسلم: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» [3] .
وفي حديث آخر «قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن فلاة تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال صلى الله عليه وسلم: هي في النار، قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فلانة تذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وأنها تتصدق بالأنوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال صلى الله عليه وسلم: هي في الجنة» [4] .
فعلى المسلم أن يبتعد عن كل ما فيه أذى لجاره من قول أو فعل أو عمل. فحق الجار عظيم، والمسؤولية تجاهه أعظم، فعلى المؤمن أن يتفقد أحوال جاره وأن يصله ويتصدق عليه، ويعينه ويكرمه وأن يحسن إليه بإرادة الخير له، وحسن العشرة معه، وتفقد أحواله، ونصحه ومعاونته فيما يحتاج إليه.
إن المسؤولية تجاه الأقارب تتمثل في صلة الأرحام، والتودد لهم والإ؛ سان إليهم، والبر بهم وتحمل إسائتهم والصفح والعفو عن مسيئهم وغير ذلك.
ومما يدل على هذا قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [5] .
(1) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، حديث رقم: 6016، ص: 1052.
(2) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، حديث رقم: 5185، ص: 926.
(3) رواه أحمد في مسنده عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه ص: 1787، مسند الأنصار، حديث رقم: 24355، ط: بيت الأفكار الدولية.
(4) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه ص: 698، حديث رقم: 9673.
(5) سورة الأنفال. آية 75.