فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 170

ولقد أعظم الشارع من حق الرحم وصلتها، ومما يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى يا رب قال فهو لك» [1] . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [2] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما وعن قطع الأرحام خصوصا بل وقد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال.

بل جعل الشارع صلة الرحم سببًا من أسباب سعة الرزق وطول العمر وهما من أحسن ما يتمنى المرء في هذه الحياة. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» [3] وليست من صلة الرحم بأن تحسن إليهم إذا أحسنوا إليك وأن تصلهم إذا وصلوك، بل إن صلة الرحم المشروعة هي أن تصلهم حتى ولو قطعوك وتحسن اليهم حتى ولو منعوك ولم يكافئوك. ومما يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالكافئ ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها» [4] .

بل نجد أن صلة الرحم تتعدى إلى أكثر من هذا، وذلك أن يصلهم حتى ولو كانوا يسيئون إليه ويتعرضون لقطيعته.

وقد جاء في الحديث ان رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» [5] .

فالأقرباء لهم حق زائد بسبب الرحم، فهم أولى الناس بالمعروف وبذل الفضيلة قال تعالى: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [6] . فهذه الآية تدل بأن إنفاق المرء على الأقرباء ليس تفضلا لأحد على أحد، وإنما هو حق فرضه الله تعالى على المكلف، الذي من أدائه يبرئ الإنسان بذمته، ويصل المودة بينه وبين من يعطيه.

(1) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله، حديث رقم: 5987، ص: 1048.

(2) سورة محمد. آية 22.

(3) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، حديث رقم: 5986، ص: 1048.

(4) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ، حديث رقم: 5991، ص: 1049.

(5) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، حديث رقم: 22، ص: 1122.

(6) سورة الإسراء. 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت