أعقبها بملائكة كرام يحفظون خيرها وشرها، فقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته وجميع الخلائق: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [1] .
قال تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [2] ، أي بسبب الذي كنتم تعلمونه، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [3] .
قال القرطبي «في هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الأعمال، وأن ما عدا العمل يتلاشى، فكل أمان مجردة في نيل ثواب كريم تزول، وكل سبب من حسب ونسب وشفاعة ومال وبنين مما لها تأثير في الحياة الدنيا ينقطع، ليبقى العمل وحده سببًا للجزاء [4] ، قال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [5] ، وقال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [6] . قال ابن كثير: ليس لأحد نجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع شرعه [7] .
فقد بين القرآن جزاء الله تعالى في الدنيا إجمالًا وجزاءه في الآخرة تفصيلًا، فقال تعالى واعدًا من عمل صالحًا بالحياة الطيبة. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [8] ، وقال تعالى متوعدًا من حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعى في الأرض فسادًا بعقوبة زاجرة في الدنيا كما قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
(1) سورة يونس. آية 61.
(2) سورة النحل. آية 32.
(3) سورة البقرة. آية 281.
(4) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 3/ 376.
(5) سورة النجم. آية 39 - 41.
(6) سورة النساء. آية 123، 124.
(7) تفسير القرآن العظيم، لإبن كثير، ص: 535.
(8) سورة النحل. آية 97.