أن تنتهك، وماله أن يغتصب، ومسكنه أن يعتدي عليه، ونسبه أن يطعن فيه، وقلبه أن يتحكم فيه قسرًا، وحريته أن تقيد خداعًا، ولا يزال في حمى هذه الكرامة حتى ينتهك هو حرمتها، وينزع بيده هذه الحصانة بارتكاب جريمة ترفع عنه جانبًا منها، ولا تعود على ما كانت عليه حتى يتوب ويعاقب بما يستحقه [1] .
كما يتمتع الإنسان في الجزاء الإلهي ما يكفل له دوام السعادة التي يتمتع بها ما دام متصلًا بطاعة الله، حذرًا من معصيته، فكم يكون لضعف الإيمان بهذا الجزاء أو الجهل به أو إنكاره جحودًا من أثر في تنغيص هذه السعادة، وتبديلها تعاسة وجحيمًا لا يطاق، إن الجزاء يحمي حياة الناس، فهو يحول دون إرادة اغتصاب عرض أو انتهاك مال أو سفك دم، وغير ذلك.
هنا يبين أن تشريع الجزاء في الإسلام أكثر إسعادًا للإنسان، فهو يتصل بجميع جوانب حياة الإنسان، ويجزي على جميع الأعمال بالثواب والعقاب، دون استبعاد لأي نوع منها، قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [2] ، مما يعني أن سلطة الجزاء في الإسلام واسعة النطاق، تتعلق بظواهر الإنسان وبواطنه ومصالحه ومصالح مجتمعه.
آثار اجتماعية:
1.الأم والاستقرار:
فلقد شرع الله سبحانه وتعالى الحدود لحكم عظيمة ومنافع كثيرة، يترتب عليها آثار كثيرة ينعم بها المجتمع الإنساني، حيث يعم فيه الأمن والإستقرار والراحة والإطمئنان، فيعيش المرء أمنا في بيته، مرتاح الضمير، روحه مصونة فلا تزهق، ودمه محقون فلا يراق، ونسبه لا يعتدى عليه، وعرضه سليم فلا يقذف، وأمواله محفوظة فلا تصل إليها يد المجرم ولا تمتد إليه يد السارق، وعقله باق على جبلته التي ميزه الله بها، فلا يزيل نعمة الله عليه بالسكر، ودينه ثابت مستقيم لا تلعب به الأهواء ولا تزعزعه العواطف فتجده مذبذبًا مترددًا يسير على غير هدى. ولا ريب أنه إذا صينت المجتمع من الرذائل، وحفظت مسالكه من الإنحراف، ونشئ أفراده على الفضيلة والاستقامة تحقق له الأمن والاستقرار.
إن الحدود في الإسلام شرعت لتأمين حياة الناس، فقد قال تعالى في القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ} [3] ، إذ تهيء هذه العقوبة لأفراد المجتمع حياة آمنة، لأنه إذا علم المجرم «أنه يقتل قصاصًا إذا قتل آخر كف عن القتل، وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك
(1) المسؤولية الخلقية والجزاء عليها، ص: 459.
(2) سورة الأنعام. آية 160.
(3) سورة البقرة. آية 179.