بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية جميعها [1] ، وكذلك الأمر في الجرائم الأخرى فإنه إذا علم أنه إذا انتهك عرضًا عوقب عليه بما يزجره، فإنه يمتنع عن ذلك، مما يحقق انكفافًا عن الجريمة، وبعدًا عن الفساد.
2.إبعاد المجتمع من الرذيلة والفساد:
إن من أهم آثار من وضع العقوبة هي محاربة الجريمة وإبعاد المجتمع من الرذائل ومنع وقوعها أو تقليلها، فإن الإسلام قد بلغ في هذه الغاية مبلغا لم يصل إليه تشريع قبله أو بعده، وذلك أنه حارب الجريمة قبل وقوعها ثم قضى عليها بعد وقوعها قضاء يذهب أثرها ويقلل مضارها وقد سلك في ذلك طرقا كثيرة، حيث أحاط الفرد منذ نشأته بالمواعظ التي تؤثر في القلوب وتملؤها بتقوى الله تعالى والرغبة في مرضاته طمعًا فيما عنده من الثواب العظيم ثم شفع هذه الموعظة بالوعيد من ارتكاب المآثم ليملأ القلوب مخافة ورهبة من سخط الله والتعرض لعذابه في الآخرة، وهذه هي الخطوة المهمة في الدفاع ضد الجرائم حيث يقل وقوعها ممن امتلأ قلبه بالإيمان بالله والخوف من عقابه [2] .
كما يسهم الجزاء في الإسلام إسهامًا بالغًا في حماية الفضيلة وتمكينها في المجتمع، بإتخاذ خطوات مختلفة كالترغيب في امتثال الأخلاق الحسنة، والتحلي بها ذاتيًا، والتعامل مع الآخرين، مع الوعد بالثواب الجزيل الذي تتعلق به آمال المؤمنين، مما يستلزم إعراضهم عن الرذيلة. وكالمعاقبة على كل ما يمس الفضيلة، كالإعتداء على الأنفس والأعراض والأموال بعقوبة القصاص والحدود أم جرائم محدودة الضرر بعقوبة التعزير، والمقصد من كل هذا كله حماية المجتمع ومنابذة الرذيلة إلى أن تختفي من المجتمع، ومحاربة الفساد إلى أن يضمحل.
وهدف الشريعة الإسلامية من فرض العقوبة هو إصلاح النفوس وتهذيبها والعمل على سعادة الجماعة البشرية؛ ذلك لأن للإسلام في العقاب رأيا ينفرد به.
من أجل ذلك وضع الله الحدود وضعا شرعيًا كافلًا لراحة البشر في كل زمان ومكان؛ حتى يكون الناس في مأمن وتمتنع الجرائم التي ترتكب، فكل فعل سيء يحدث في الأرض لا يمكن إصلاحه إلا بالعقوبة.
ويقول شاه ولي الله الدهلوي [3] في كتابه حجة الله البالغة: «اعلم أن من المعاصي ما شرع الله فيه الحد وذلك كل معصية جمعت وجوها من المفسدة، بأن كانت فسادا في الأرض واقتضابا على طمأنينة
(1) فتح القدير، لإمام الشوكاني، ص: 137، ط: الأولى 1422 هـ، 2001 م، مكتبة الرشد، الرياض.
(2) أثر تطبيق الحدود في المجتمع، لدكتور عبد السميع إمام، ص: 303، 304، بحث مقدم لمؤتمره الفقه الإسلامي، جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض 1396 هـ، أشرفت على طباعته ونشره، إدارة التفاتة والنشر بالجامعة، 1404 هـ، 1984 م.
(3) هوشاه ولي الله قطب الدين أحمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الدهلوي من أشهر المحدثين في الهند وفقهائها، أحي الله به السنة وعلم الحديث ولد سنة 114 هـ وله مؤلفات كثيرة منها: الفوز الكبير في أصول التفسير، حجة الله البالغة، وغيرها، توفي سنة 1176 هـ انظر: نزهة الخواطر للحسني الندوي 6/ 398 - 415.