المسلمين، وكانت لها داعية في نفوس بني آدم لا تزال تهيج فيها، ولا ضراوة لا يستطيع الإقلاع منها بعد أن أشربت قلوبهم بها وكان فيه ضرر لا يستطيع المظلوم دفعه عن نفسه في كثير من الأحيان، وكان كثير الوقوع فيما بين الناس، فمثل هذه المعاصي لا يكفي فيها الترهيب بعذاب الآخرة، بل لابد من إقامة ملامة شديدة عليها وإيلام يكون بين أعينهم ذلك فيردعهم عما يريدونه، ثم مثل ببعض المعاصي، إلى أن قال: وكالسرقة؛ فإن الإنسان كثيرا ما لا يجد كسبا صالحا فينحدر إلى السرقة [1] .
3.معالجة الأمراض:
إن الحكمة من العقوبة بصفة عامة هي معالجة الأمراض الاجتماعية. وإيقاع العقوبات على بعض الأفراد يعتبر علاجًا للمجتمع، لذلك تعتبر العقوبة من الأمور الضرورية للمجتمعات، ولا يمكن أن يعيش مجتمع دون أن تفرض فيه عقوبة، فكما أن الجريمة جزء من المجتمع ملازمة له ولا يتصور وجود مجتمع بدون جريمة، فكذلك لا يتصور وجود مجتمع بدون عقوبة، فالعقوبة تعتبر رد فعل للجريمة. والشريعة الإسلامية فإنها في عقوباتها متوسطة لا إفراط ولا تفريط خاصة عندما تطبق بأمانة وعدالة، فإنها تؤثر تأثيرا بالغًا في التقليل من الإجرام والحد منه.
يقول العز بن عبد السلام [2] في قواعد الأحكام: «ربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح، لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكون المصلحة هي المقصودة من شرعها كقطع يد السارق وقاطع الطريق، وقد سميت مصالح من قبيل المجاز بتسمية السبب باسم المسبب» [3] .
فشرع الله الذي شرع لعباده، هو الذي يصلح المجتمعات، ويقضي على جذور الاعتداء، والاستخفاف بالنفوس، وإخافة الآمنين، لما فيه من جزاء رادع يقضي بتطبيقه على الشر، لأنه لا يصلح النفوس، و
(1) حجة الله البالغة، لإمام شاه ولي الله الدهلوي، بتحقيق: السيد سابق، 2/ 756، 757، املكتبة الأثرية، شيخوبوره، باكستان.
(2) هو عز الدين شيخ الإسلام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن الإمام العلامة المصري الشافعي، ولد بدمشق سنة 577 هـ وله مؤلفات كثيرة في الفقه والتفسير الحديث والتصوف والسيرة ومنها: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، توفي سنة 660 هـ، انظر: شذرات الذهب 5/ 301 وطبقات المفسرين لداودي 1/ 308 - 323.
(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، 1/ 14، ط: الثانية 1400 ه، 1980 م، دار الجيل.