فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 170

الإنسان في الإسلام لا يعد مسؤولا ولا تتحقق مسؤولية الإنسان عما يقوم به من أفعال إلا إذا توفر فيه أمر، وهو حدوث الفعل عن نية وقصد وإرادة.

وهذا يعتبر من المبادئ الأساسية في الإسلام، فإن الإسلام لا يقيم لعمل الإنسان أي وزن إلا إذا كان قاصدا إليه وناويا له بإرادة واختيار، ولذلك لا يعاقب على هواجس القلب ووسوسة الضمير وحديث النفس إلا إذا كانت هذه الهواجس نزوع من الإنسان إلى الخير فإن الله تعالى يثيبه عليها وإن لم يفعلها فضلا منه ورحمة.

فلا بد لكل عمل يقوم به الإنسان من إرادة ونية وقصد. وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ من نوى ... » [1] ، فالأعمال التي تصحبها الإرادة والنية والعزم على فعل طاعة أو اقتراف معصية، هو العمل الذي يترتب عليه الجزاء بنوعيه: العقاب والثواب.

لذلك نفى الله تعالى ما يترتب على المسؤولية من جزاء، إذا كانت الأعمال بدون إرادة ونية وقصد. وهذا ما يفيده قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [2] .

فالله تعالى لا يعاقب من صدر منه الإيمان اللاغية وهي التي لا يقصدها الحالف بل يجري على لسانه من غير قصد منه، كما قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [3] .

يقول ابن كثير «قد تقدم في سورة البقرة الكلام على لغو اليمين وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد» [4] . لذلك رفع الإسلام المسؤولية عن المكره والناس وغيرهم ما لا إعتبار لفعله الصادر منه وذلك للإجماع على أن التكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة الإسلامية وتكليف من لا قصد له تكليف بما لا يطاق. وهذا ما يقرره القرآن الكريم في قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [5] .

(1) رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم الحديث: 1، ص: 1.

(2) سورة البقرة. آية 225.

(3) سورة المائدة. آية 89.

(4) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص: 645.

(5) سورة النحل. آية 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت