فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 170

2.إن القرآن الكريم يفيض بالآيات الكريمة التي توضح وتصرح بأن الإنسان يستطيع اختيار الهداية لنفسه، كما يستطيع أن يختار الضلالة لنفسه، وتبين مدى ما هيأه الله للإنسان من قدرات وإمكانيات متكافئة لقبول الخير والشر. يقول تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [1] ، فالله تعالى قد دل الإنسان على سبيل الشكر والكفر وعليه هو أن يختار سلوك هذا وذاك، وهذه الآية من جملة الآيات الكثيرة الدالة على أن للإنسان إرادة واختيار. وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [2] ، وقال تعالى: {اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [3] ، وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [4] .

وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تسند الهداية والضلال إلى الإنسان في كونه يستطيع أن يكتسبها لنفسه مما يؤكد أنه سبب وكائن مختار لما يقوم به من أعمال. كقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [5] .

3.ومن الآيات التي تدل أكبر دلالة على أن اختيار الإنسان وحريته وجهده الذي يقوم به هو أساس مسؤوليته وما يترتب عليها من جزاء، قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [6] ، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [7] ، فواضح من هايتن الآيتين أن مشيئة الله في تغير حال قوم إنما تجرى وتنفذ من خلال حركة هؤلاء القوم وما يقومون به من أعمال تغير ما بأنفسهم اتجاها وسلوكا شعوريا وعمليا، فإذا حدث ذلك غير الله حالهم وشأنهم جزاء على ما غيروا هم من أنفسهم.

يقول ابن كثير: «يخبر الله تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه» [8] . كل هذه الحقائق التي قدمناها تقرر وتؤكد مدى الحرية والإرادة والاختيار الذي منحه الله للإنسان لكي يستطيع القيام برعاية ما استرعاه الله تعالى من أمانات ومسؤوليات.

4.العمل الإرادي:

(1) سورة الإنسان. آية 2، 3.

(2) سورة الكهف. آية 29.

(3) سورة يونس. آية 108.

(4) سورة النجم. آية 30.

(5) سورة الزلزلة. آية 7، 8.

(6) سورة الرعد. آية 11.

(7) سورة الأنفال. آية 53.

(8) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص: 849.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت