فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 170

الرُّسُلِ [1] ، ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدا على معصيته ولا اضطره إلى ترك طاعة قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [2] ، وقال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [3] ، وقال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [4] ، فدل على أن للعبد فعلا وكسبا يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب وهو واقع بقضاء الله وقدره. وهذه الإستطاعة التي منحها الله تعالى للإنسان، بها يفعل وبها يترك وبها يطيع وبها يعصي.

وهذه الإرادة الحرة المختارة هي ميزة الإنسان التي امتاز بها عن جميع الكائنات وفاق بها كل المخلوقات وعلى أساسها أمر الله الإنسان ونهاه وكلفه برعاية ما استرعاه وجعله مسؤولًا عن جميع أعماله التي يكتسبها بحريته واختياره، وصار الإنسان بهذه المنحة الربانية قابلا للهبوط إلى أسفل سافلين، وقابلا للصعود إلى قمة الخلائق أجمعين. بينما غيره من المخلوقات مسلوب الإرادة والإختيار ولذلك لا يستطيع الانفلات عن سنن الله الطبيعة ونواميسها التي أودعها الله فيها، كما قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [5] ، بخلاف الإنسان الذي يعمل بإرادته ويتصرف بحريته بقوة منحها الله تعالى إياه تمكنه من أن يطيع أوامر الله تعالى ويتبع طريقه كما تمكنه من أن يعصيه ويتجنب سبيله. ولهذا فوض الله تعالى للإنسان الأمر في تحصيل أعماله الاختيارية ليبلوهم أيهم أحسن عملا فيجزي المحسن على إحسانه ويجزي المسيء على قدر إساءته. ويظهر للمتدبر لنصوص القرآنية مدى الحرية التي منحها الله تعالى للإنسان وجعلها أساس أهليته للمسؤولية وقاعدة تحمله لتبعات هذه المسؤولية من جزاء ثوابًا أو عقابًا. ومما يدل على ذلك ما يأتي:

1.إن الله سبحانه وتعالى قد أعطى المشيئة وحرية الإرادة لأبي البشرية آدم عليه السلام عندما أسكنه جنته قال له عز وجل: {وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [6] ، فتوجيه الأمر إلى آدم وزوجته - عليهما السلام -، وإسناد المشيئة إليهما، ونهيهما عن قربان الشجرة، وإسناد الظلم إليهما، كل هذا يبرز للمتأمل مدى الحرية والإختيار التي منحها الله تعالى للإنسان من أول الخليقة، وبها يستطيع أن يقوم بما أسند إليه من رعاية لأماناته ومسؤولياته.

(1) سورة النساء. آية 165.

(2) سورة البقرة. آية 1/ 286.

(3) سورة التغابن. آية 16.

(4) سورة غافر. آية 17.

(5) سورة يس. آية 40.

(6) سورة البقرة. آية 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت