فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 170

ومن كل ما تقدم نخرج بأن الإنسان لا يكلف إلا إذا كمل عقله وبلغ رشده وتكاملت قواه الفكرية وظهر منه علامات تدل على ما أودع فيه من طاقات وما زود به من ملكات قادرة على الوصول إلى المعرفة الحقة والإدراك الصحيح.

وهذا هو العقل الذي جعله الله تعالى مناط التكليف وأساس تحمل الإنسان للمسؤولية، لذلك نجد أن الإسلام يرفع عن الإنسان المسؤولية إذا طرأ على العقل أي اختلال في قدراته أو نقص، فلا مسؤولية على صغير ولا مجنون ولا سكران.

4.حرية الإرادة:

لم يشأ الله تعالى أن يكره الإنسان على الالتزام بالمنهج الذي كلفه به، ولكن جعل له حرية الإرادة والاختيار في ذلك، إن شاء التزم وتحمل أعباء التكليف ومشقته، وإن شاء اتبع هواه. لذا إن حرية الإرادة تعد الدعامة الأساسية التي تعتمد عليها مسؤولية الإنسان عن أعماله، فلا يمكن أن توجه المسؤولية إلى الكائن أو المخلوق الذي لديه إرادة حرة يختار ما يريد، وهو الإنسان الذي منحه الله تعالى حرية الإرادة وميزه بها. وهذه الإرادة التي منحها الله تعالى للإنسان واختصه بها تعد الأساس الأول للمسؤولية والتكليف، ولذلك كانت حرية الإرادة بما اقتضته من المسؤولية والتكليف عبئا ثقيلًا قدرت السموات والأرض خطورته ولم ترض لنفسها بتحمله قال تعالى:

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [1] لأنه تحمل الأمانة وهي حرية الإرادة وتبعاتها من التكليف والمسؤولية [2] .

لقد تقرر أن مسؤولية الإنسان تنبني وتؤسس على إرادته الحرة واختياره الهادف لما يقوم به ويفعله. فأساس المسؤولية وما يتبعها ويترتب عليها من جزاء هو ما يفعله الإنسان بمحض تصرفه وإرادته وهذا ما يقرره القرآن الكريم في خطاباته المتكررة المتوجهة إلى عقل الإنسان وإسناد كل ما يقوم به من أفعال إلى إرادته، وتأكيد مسؤوليته وحسابه على ما يفعله من خير أو شر مما يبرز أن للإنسان إرادة حرة وأن له كسبًا واكتسابا وأنه يهدي نفسه بنفسه ويضل نفسه بنفسه، كما قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [3] .

ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله قد أقام علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ

(1) الأحزاب. آية 72.

(2) أنظر إلى المقال بعنوان «حرية الإنسان دعامة المسؤولية والجزاء» لدكتور عبد المقصود عبد الغني. قدم هذا المقال في المؤتمر الدولي الثالث للفلسفة الإسلامية، جامعة القاهرة. كلية دار العلوم، قسم الفلسفة مايو 1998 م.

(3) سورة الإسراء. آية 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت