وقد رفع الله تعالى الإثم عن المضطر الذي ألجأته الضرورة إلى أكل ميتة أو دم أو لحم خنزير وغيرها مما حرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لأنه في حكم المكره يقول تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] .
إذًا فكل ما لم يعتمده الإنسان ولم يقصده، ولم يعقد عليه قلبه من الأقوال والأفعال لم تترتب عليه مسؤولية، ولم ينله من جزائه جزاء، ومن ذلك رفعت المسؤولية أيضًا عن المخطئ الناسي. لذلك إن القرآن الكريم قد صرح بالتجاوز عن المخطئ والناسي ورفع عنهما الإثم، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات والإرادات. ولذلك علّم الله تعالى عباده الدعاء برفع الإثم عند الخطاء والنسيان بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [2] ، ويقرر ذلك قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [3] .
5.بلوغ الدعوة:
كان من رحمة الله تعالى بعباده أنه كما جعل فيهم العقل والفهم الذي به يميزون ويدركون، شاءت حكمته العظيمة ألا يجعل ذلك فقط مناط مسؤولية الإنسان ومطالبته بما كلف به، بل أرسلهم لهم الرسل من حين إلى حين على مدى إمتداد التاريخ البشري من أبي البشر آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ليزيلوا ما ران على فطرة الإنسان من شر وفساد، وليقيموه إلى سواء الصراط، وليرشدوه إلى كلا الطريقتين طريق الشر ومساوئه، وطريق الخير ومحاسنه وفضائله، وصدق الله العظيم حيث قال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [4] .
لذلك يعتبر هذا الشرط من أهم شروط المسؤولية. وهو بلوغ دعوة الرسل إلى الإنسان العاقل البالغ القادر. فيجب أن تصل إليه الدعوة حتى تستيقظ الضمائر الغافلة، ولأن المؤاخذة لا تكون إلا بعد إرسال الرسل وقيام الحجة عليهم. قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [5] ، وهذا لا يتم إلا بإعلام الإنسان ما بهو مفروض وواجب عليه فعلًا أو تركًا، بمعنى أن الإنسان لا بد وأن يكون عالمًا بما هو مكلف به.
(1) سورة البقرة. آية 173.
(2) سورة البقرة. آية 286.
(3) سورة الأحزاب. آية 5.
(4) سورة الإنسان. آية 3.
(5) سورة الإسراء. آية 15.