ـ [عبد الحفيظ المقري] ــــــــ [20 - 08 - 09, 12:41 م] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فهذه القصيدة تعد رثاء لإمام المسلمين، وقدوة المحققين، ودرة الفقهاء المدققين، وتاج السلفيين، ونادرة العلماء العاملين،
مفتي عام المملكة العربية السعودية، سماحة الوالد العلامة الشيخ:
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
نوّر الله ضريحه ورحمه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
المرثية البازية
رأيت القلب يزداد اكتئابًا = وأحزانًا لنا أمست عذابا
وفي الأحشاء نيران تلظى = وكم قد أَلهَبت قلبي التهابا
إذا رُزئ الفتى بحديث إفكٍ = فيكفي أن يكون له مصابا
فكيف إذا أتى خطبٌ جسيمٌ = يهز القلب والشم الصلابا
فقد نُبِّئت أن إمام عصري = لبارئه وخالقه أجابا
فساءت الكرام أذاك حقٌ = فإنَّ لكل حادثةٍ جوابا
فقالوا كلهم بلسان حزنٍ = مضى ابن الباز حين صفا وطابا
فإنَّ حوادث الأيام تترى = ويتبع بعضها بعضًا منابا
يرقِّق بعضها بعضًا وتبدو = هنا فتنٌ فتصطخب اصطخابا
يثيب الغم أقوامًا ويأتي = له غمٌّ فينسى ما أثابا
أيا عبد العزيز رأتك عيني = بهذا العام مخدوشًا مصابا
رأيتك في هزال الجسم تبدو = وظهرك منحنٍ يأبى انتصابا
على الرجلين إن تمشي تُهادى = ضعيفًا حين تجتذب الرقابا
تشحطت الدماء بكل عرقٍ = وإن سوادها يبدو خضابا
فداخلني لذاك الأمر همٌ = وكم قلبي لمنظره استرابا
ولكن بعدها سافرت عَودًا = إلى ذي الأرض أقترب اقترابا
فلم ألبث بِها إلا يسيرًا = فوافتني وفاة من استجابا
لأمر الله والمقدور حقًا = فإنَّ لكل ذي أجلٍ كتابا
وإن الموت مكتوب علينا = وكم يأتي ويحدونا طلابا
أتاه الموت حين أتاه صبحا = ليقرع في الدخول عليه بابا
فأنشبت المنية كل ظفر = لتأخذ روح من في الله شابا
ففي يوم الخميس أتت صباحًا = لتأخذ روح من لله تابا
يعاني شدة السكرات حقًا = وحشرجةً وضيقًا واكتئابا
تقٌعقِعُ روحه فيضيق صدرٌ = وإنَّ لسانه بالذكر طابا
يحف الأقربون به فتجري = دموعهمُ وتنسكب انسكابا
وعند خروج تلك الروح منه = رأيت لهم بكاءً وانتحابا
على من قارب التسعين عامًا = وأفنى العمر صبرًا واحتسابا
فقال أحبة ألديك شعرٌ = يرتل ذكر أعلمنا كتابا؟
وقالوا لي بربك هات شعرًا = يشيد به ويرفعه جنابا
فقلت نعم فشعري حين يبدو = يكون به لسانًا مستطابا
لذا استنفرت أوزاني وشعري = وكل قصيدة كانت شبابا
فألفيت القصيد هنا حزينًا = وليس بأحرفي حرفٌ تصابى
قوافي الشعر واجمةٌ حيارى = ومن حسراتها لبست حجابًا
أيا عبد العزيز فدتك روحي = وأشعاري فقد كنت الشهابا
وأوزاني بها تسعون كسرًا = وأعظمها لَنَجمُكَ حين غابا
فما شعرًا أسطِّره ولكن = أسطر ذلك الدمع المذابا
وفاتك ثلمةٌ في كل قلبٍ = لفقدك صار ينتحب انتحابا
وفاتك لوحة سوداء تبدو = كليلٍ كاسف سدل الحجابا
أشاهد كل أرض الله ثكلى = وكل عمارةٍ أضحت خرابا
أراني إن ذكرتك هاج حزني= ودمع العين ينسكب انسكابا
بكتك جوانحي وبكاك قلبي = وفقدك صار يكوينا عذابا
بكتك ضمائرٌ وكذا نفوسً = كأنك كنت توليها العتابا
بكتك الطير والأغصان حزنًا = كأنك كنت تسقيها الشرابا
بكتك الأرض أوهادًا وسهلًا = كأنت للربا كنت السحابا
بكتك عوالم الدنيا وتبكي = منائرها وتضطرب اضطرابا
وقد أضحى الحجاز حبيس حزنٍ = كذا نجدٌ غدت ترثي المصابا
وكم تبدو الرياض بلا رياضٍ = كذلك مكة صارت يبابا
كذاك الطائف الولهان أضحى = كسيف البال يعظمها مصابا
بكاك الطفلُ في الأعياد حزنًا = لأنك كنت تكسوه الثيابا
بكى ذاك اليتيم عليك دمعًا = لأنك كنت تنسيه السغابا
بكاك البذلُ والإحسان صدقًا = لأنك كنت ترفعه ركابا
بكاك الذكرُ للرحمن جهرًا = لأنك كنت تُكثِرُه متابا
بكاك العلمُ في الأمصار دهرًا = لأنك كنت تنشره ثوابا
بكاك المنهجُ السلفيُّ حقًا = لأنك كنت تسترضيه بابا
بكى العلماءُ والأشياخ طرًا = على من كان أفضلهم جنابا
بكى الأدباءُ والشعراء شعرًا = على من كان أجملهم خطابا
بكى العبادُ والزهاد نثرًا = على من كان مقبولًا مجابا
رسائله إلى الحكام نصرٌ = لأن اللين يقدمها خطابا
بأوزاعيِّنا أضحى شبيهًا = يقول الحق لا يخشى العقابا
أيا شيخ الجزيرة يا ابن بازٍ = ويا من كنت في الدنيا مُهابا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)