فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 66794 من 82138

ـ [أبومالك المصرى] ــــــــ [09 - 12 - 09, 12:33 ص] ـ

نحو الفطرة ونحو الفطنة

لي صاحب لمَّا يبلغ السابعة من عمره، يحلو له أن يكلِّمني بالفصحى، سواء لقيني وجهًا لوجه، أو خاطبني بالهاتف.

يشدو بها كما تشدو العصافير، فتخرج مِن فِيهِ غضةً طرية، لا تكلُّف فيها ولا عسر، ولا لحن فيها ولا خطأ؛ بل تجري على لسانه سليقة فِطْريَّة، على نحو ما قال الشاعر:

وَلَسْتُ بِنَحْوِيٍّ يَلُوكُ لِسَانَهُ ... وَلَكِنْ سَلِيقِيٌّ يَقُولُ فَيُعْرِبُ

فهو يعرب كلماته؛ أي: يعطي كلاًّ منها حركتَه المناسبة، ضمةً كانت أو فتحة أو كسرة، دون أن يعلم شيئًا عن فنِّ الإعراب، ودون أن يدرس شيئًا من دروس النحو والقواعد، إنه نحوُ الفطرة الذي يجري على ألسنة الفصاح، لا نحوُ الفطنة الذي تشتمل عليه مصنفات النحو، وهو - أي: نحو الفطرة - النحوُ الذي استقامتْ به ألسنة، وارتقت عليه أذواق، واستوت به مَلَكات.

وإنما يُكتَسَبُ من مجالسة الفصحاء، ومداومة الكلام معهم، وقراءة النصوص - نصوص العربية السليمة - وتخيُّر الجميل منها وحفظه، وملازمة الكتب.

قلت لصاحبي الصغير مرة: كيف أتقنتَ العربية؟ وأنَّى لك هذه الطلاقة فيها؟

فأجابني: من كلامي مع والدي، ومن أفلام الكرتون، ومن القصص التي أقرؤها صباحَ مساءَ.

وقد جرَّبتُه في هذا فوجدتُه قارئًا نهمًا؛ بل هو أسرع قارئ صغير عرفتُه، إذ زارني مع أبيه ذات يوم، فتجاذبت معه أطراف الحديث، ثم خشيت أن يلهيني عن والده، فصرفته بمجموعة قصصية تحوي أربع قصص، دفعتها إليه طالبًا منه أن يقرأها؛ ظانًّا أنه سيبدأ بها عندي ليكملها في بيته، وما كان أشدَّ عجبي حين أعلن بُعَيد برهة يسيرة أنه أتى على تلك القصص! وجعل يعلق على بعض شخصياتها، فذكَّرني بالمتنبي حين أخذ يتصفح كتابًا يريد صاحبُه أن يبيعه في سوق الوراقين، فلما أطال النظر فيه نَهَره صاحبُ الكتاب قائلًا: إن كنتَ تريد حفظه، فهذا - إن شاء الله - يكون بعد شهر، فأجابه المتنبي: وإذا كنتُ قد حفظتُه، فما لي عليك؟ قال: أهبه لك، وأقبل يتلوه عليه إلى آخره، فعجب الرجلُ وترك له الكتاب.

أمَّا أنا، فأعطيتُ صاحبي الصغيرَ مجموعةً قصصية أخرى وأنا أودعه على باب المنزل؛ خشيةَ أن يأتي على مجموعات المكتبة كلها، فلا يبقي لأولادي منها شيئًا!

وحدَّثني والده وهو يقدِّم لي أطروحته التي صنعها لنيل درجة الماجستير: أن صاحبي الصغير هذا - واسمه إبراهيم - كان يساعده في إعدادها، وقد وقف له على تصحيح بيت من الشعر، كما أنه أسهم في ترتيب مواد الفهرس على حروف الهجاء؛ لأنه يحفظ الترتيب جيدًا.

والحق أن صاحبي هذا ليس بِدْعًا في بابه؛ بل هو يمثل نمطًا من الأطفال أخذهم آباؤهم بهذه اللغة الفطرية، فأحسنوا فيها كلَّ الإحسان، وكان شيخنا وشيخهم في ذلك الأستاذ الدكتور عبدالله دنان، الذي عمَّم هذه التجربة الرائدة، وأخرجها من محيطه الفردي إلى رياض للأطفال، بدأها في هذا البلد الطيب الكويت في أواخر الثمانينيات من القرن الفائت، وانطلق بها لتعم كثيرًا من بلداننا العربية؛ كسورية، ولبنان، والسعودية، وقطر، وأولُ الغيث قَطْرٌ ثم ينهمر.

ولعل من أبرز أبطال هذه المدرسة صاحبًا لي آخر، يُدعى أحمد أيمن ذو الغنى، أخذه والده أخذًا حازمًا بهذه اللغة الفطرية، فلم يُسمِعْه إلاَّ إيَّاها، ولم يرتضِ أن يسمع منه سواها، فإذا رَطَنَ الولد بالعامية، زعم الوالد أنه لم يفهم، فعاد الولد إلى فُصحاه، وانطلق يغرِّد بها تغريدَ العَنَادِل، يرفع وينصب، ويجر ويجزم، ويعطي كلَّ ذي حق حقَّه فطرةً وسليقةً، يفعل ذلك كله دون أن ينسى لهجته العامية، تلك التي يتكلم بها مع أمه وأقاربه، وأصحابه وأترابه.

ومن طريف ما رواه لي والده: أنه لقِيَه مرةً يلعب مع أترابٍ له خارج المنزل، وكانوا من جنسيات مختلفة، فيهم السعودي، وفيهم المصري، وفيهم الحلبي، فجعل الولد يترجم لأبيه ما ينطق به هؤلاء من لهجاتهم المحلية؛ لأنه موقن أن أباه لا يفهم إلا هذه الفصحى الشريفة!

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت