المطلب الخامس: الأحكام التي احتوتها الآيات:
بعد أن تعرفنا على جملة من الأحكام التي احتوتها آيات النفقة السالفة الذكر، وقمنا بالتأكد من الطبيعة التشريعية الاقتصادية الاجتماعية للأحكام الإلهية الواردة في القرآن الكريم، والتي تهدف إلى بناء المجتمع بناءً صحيحًا يتخذ من التكافل والتواد والتراحم، فنتحول الآن لنتعرف إلى محور آخر من محاور محاربة الفساد الذي قد يطرأ على المجتمع من خلال الانحراف عن المنهج السديد، فالإسلام لا يقدم فقط النصائح والإرشادات، وإنما يأمر وينهى، فكما أنه يحث على فعل الخير والطاعات، فهو ينفر من الشر والموبقات، ويرشد إلى المحافظة على هذا المجتمع من كل جوانبه، لأن مركب الشريعة كل متكامل، لا سلامة لطرف دون الآخر، كالمركب في البحر، لا يسلم له الاستواء على الماء إلا بتراص أجزائه واحدًا تلو الآخر. يقول القرطبي: (الآيات الثلاثة تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات والوعيد لمن استحل الربا وأصر على فعله) . [1]
المسألة الأولى: ما هو المقصود بالربا في الإصطلاح الشرعي:
أولًا: معنى الربا لغة: يطلق الربا ويراد به الزيادة والنماء. يقول ابن منظور: (ربا: ربا ربا الشيء يربوا ربوا و رباء زاد ونما و أربيته نميته وفي التنزيل العزيز و يربي الصدقات ومنه أخذ الربا الحرام قال الله تعالى:(وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله) . قال أبو إسحق يعني به دفع الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، وذلك في أكثر التفسير ليس بحرام، ولكن لا ثواب لمن زاد على ما أخذ، قال و الربا ربوان فالحرام، كل قرض يؤخذ به أكثر منه، أو تجر به منفعة فحرام. والذي ليس بحرام أن يهبه الإنسان، يستدعي به ما هو أكثر، أو يهدي الهدية ليهدى له ما هو أكثر منها). [2]
(1) - انظر: تفسر القرطبي، ج3/ 348.
(2) - لسان العرب، ابن منظور، ج14/ 304.