كل منها تسمى صلاة. ومن ثم قيل أن الصلاة من الله رحمة. ومن الملائكة استغفار، ومن الناس دعاء ... فهذه العبادة التي نؤديها كل يوم خمس مرات تسمى صلاة، لأنها تشتمل على الدعاء، وتعظيم الله بالركوع والسجود له. وما إلى ذلك من أقوال وأفعال، أو لأنها تشتمل على تحريك الصلوين، وهما نهايتا الوركين عند إلتقائهما بنهاية العمود الفقري.
ومن ذلك سمي الفرس اللاحق في السباق مصليا ً لأن رأسه تكون عند ذنب السابق .. ثم يقول صورة مثيرة لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. هذه كلمة عمر رضي الله عنه وهو في آخر عهده في الدنيا وأول عهده بالآخرة، لم ينس وهو يسقط في المحراب، أن عليه ما بقي على قيد الحياة إقامة الصلاة، فنادى: هل في الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم. قال: تقدم فصلي بالناس. وظلت الصلاة قائمة وعمر طريح، يتدفق الدم من أمعائه وأحشائه، وظل المسلمون في صلاتهم لا يشغلهم عن الله أمر سواه. حتى ولو كان هذا الأمر قتل عمر، وهو الذي أعز الله به الإسلام بدعوة نبيه عليه السلام.
ومما يذكر في هذا الشأن أنه رضي الله عنه بعد فراغهم من صلاتهم كان يغشى عليه، ولا ينتبه لهم إذا دعوه، فقال لهم بعض عارفيه: إنكم لن تفزعوه بشيء مثل الصلاة، إن كانت به حياة، فنودي: الصلاة الصلاة. فلما سمع النداء فتح عينيه وفاه بكلمات متقطعات. ثم قال: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فهذه الصورة المثيرة بعض ما يفسر به إقامة الصلاة وبيان ما كان لها من نفوس عظيمة في نفوس المسلمين. (2)
المطلب الرابع:
*- ما ورد من نسخ في الآيات:
قيل أن آية: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا .. } كانت ناسخة لفعل قد كان مباحا ً. ويرد أبو حيان على هذا قائلا ً: أن من قال هذا فليس قوله بشيء، لأن الأول لم يكن شرعا ً متقررًا قبل. ويقول: وبالجملة، فهي كما قال الطبري: كلمة كرهها الله أن يخاطب بها نبيه. (3)
وقيل أن هناك نسخ في قوله تعالى: { .. فاعفوا واصفحوا .. } من الآية (109) ، قال ابن عباس: هي منسوخة بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} التوبة (29) . وقيل بقوله: {اقتلوا المشركين} التوبة (5) ، وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر وكان للتوقيف على مدته. (4)
حكم النسخ عند العلماء المسلمين: هل النسخ جائز في الشرائع السماوية؟
قال الإمام الرازي: النسخ عندنا جائز عقلا ً، وواقع سماعا ً، خلاف اليهود، فإن منهم من أنكره عقلا ً، ومنهم من جوزه عقلا ً. لكن منع منه سماعا ً، وروي ذلك عن بعض المسلمين إنكار النسخ، منهم أبو مسلم الأصفهاني. واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه بأدلة منها:
*- {ما ننسخ من آية .. } البقرة (106) .*- {وإذا بدلنا آية مكان آية ... } النحل (101)