وفي الآخرة ميزه بصورة من الصور، تجعله مفضوحًا على رؤوس الخلائق يوم القيامة، ألا وهي قيامه متخبطًا من قبره، وكأنه ممسوس من الشيطان، وكأن الجنون قد أخذ عليه مجامع عقله وفكره.
فلماذا إذن هذه الحرب الشعواء على هذه المعاملة الاقتصادية. أقول لو أردنا أن نتحدث عن الربا في الاقتصاد، وآثاره المدمرة على الاقتصاد الوطني، ومن أهمها تعطيل المال عن النماء، وحجبه في أيدي فئة قليلة من الناس، يدورونه بينهم، وعدم تركه سيالًا في وجوه الاستثمار التجاري والصناعي، الذي يؤدي إلى قيام المنشآت الصناعية، وسيلان البضائع التجارية، ثم إلى استحداث فرص عملٍ كثيرة، تقضي على البطالة، فيزداد دخل الفرد الذي يصبح في اكتفاءٍ ذاتي غيرُ محتاجٍ إلى أخذ الزكاة من أحد، ثم بوجود الأرباح يكون هناك قدرة على دفع الزكاة، والزيادة والنماء، فيزداد دخل الفرد، وينمو الاقتصاد الوطني نموًا طبيعيًا، يلحظ أثره من خلال الرخاء العام الذي تشهده البلاد، وكم من دولٍ فقيرة بالموارد الطبيعية، أصبحت دولًا اقتصادية من خلال تجارتها وصناعتها.
إن القرآن الكريم يشدد من خلال جملة النواهي التي أكد بها الله سبحانه وتعالى على عباده حثًا لهم على عدم قربان الربا بأي صورة ٍأو شكل، فحذر من محق المال الذي يتعامل به بالربا، وأعلن الحرب على من يتعامل به بعد وصول هذا النهي، وتسامح مع الناس الذين تعاملوا به سابقًا ثم تابوا إلى الله، فجعل السابق من شأنهم بيد الله إن شاء غفر وإن شاء عذب.
ويقدم القرآن الكريم للمؤمنين سبيلًا آخر في التعامل مع المدين، هو أرقى أخلاقيًا، وأدعى إلى حدوث المودة والرحمة بين أفراد المجتمع، الذي يجعل من التسامح سبيلًا يصل بين القلوب، فيحقق بذلك صورة المجتمع الإسلامي الذي يريده الله سبحانه وتعالى، إن هذا التوجيه هو إمهال المعسر وإنظاره حتى يصبح قادرًا على الوفاء، فإن لم يكن قادرًا على ذلك، أو إن كانت الحالة المادية للمقرض تسمح فإن العفو والتصدق به على المعسر هو من أهم أشكال القربات عند الله، فلذلك عبر الله سبحانه و تعالى بقوله: (وأن تصدّقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون) فجعل التخلي عن هذا المال هو من باب الصدقة التي شهد الله لها بالخيرية.