معنى قوله لايسألون الناس إلحافا على قولين فقال قوم منهم الطبري والزجاج إن المعنى لايسألون البتة وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة وعلى هذا جمهور المفسرين ويكون التعفف صفة ثابتة لهم أي لايسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح وقال قوم إن المراد نفي الإلحاف أي أنهم يسألون غير إلحاف وهذا هو السابق للفهم أي يسألون غير ملحفين وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتلحفوا في المسألة فوالله لايسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما اعطيته وفي الموطأ عن يزيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله لنا شيئا نأكله وجعلوا يذكرون عن حاجتهم فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا أجد ما أعطيك فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول لعمري إنك لتعطي من شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه يغضب علي ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا قال الأسدي فقلت للقحة لنا خير من أوقية قال مالك والأوقية أربعون درهما قال فرجعت ولم أسأله فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله قال ابن عبد البر هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره وهو حديث صحيح). [1]
أقوال العلماء في طلب الإنسان الأعطية من غيره من الناس:
قال ابن عبد البر: من أحسن ماروي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال إذا لم يكن عنده مايغديه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية قيل لأبي عبد الله فإن أضطر إلى المسألة قال هي مباحة له إذا اضطر قيل له فإن تعفف
(1) - أنظر تفسير القرطبي، ج3/ -342 - 343.