لقد أقام الله سبحانه وتعالى الحجة على مخرجه، فأعلمه بأنه لو عرض عليه هذا المال الرديء لرفضه، أو لأخذه بثمن بخس.
خامسًا: طريقة إخراج الصدقة سرًا أو علانية:
يقول القرطبي: (ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها وليس كذلك الواجبات. قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن وإخفاء التطوع أفضل لأنه أدل على أن يراد الله عز وجل به وحده. قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال بسبعين ضعفا وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا. قال وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قلت: مثل هذا لايقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) [1] ، وذلك أن الفرائض لايدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة) [2] . وفي الحديث: (صدقة السر تطفي غضب الرب) . قال ابن العربي: (وليس تفضيل صدقة العلانية على السر ولا تفضيل صدقة السر على العلانية، حديث صحيح ولكن الإجماع الثابت فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر بيد أن علماؤنا قالوا إن هذا في الغالب مخرجه والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطي إياها والناس الشاهدين لها أما المعطى فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة قلت هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر أفضل وأما المعطي إياها فإن السر له أسلم من إحتقار الناس له أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ومن جهة أنهم ربما طعنوا على
(1) - رواه مسلم،
(2) - رواه النسائي.