يقول الطبري"فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة أم لا هي ناسخة ولا منسوخة, فالصواب فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم والمراد الخاص, وذلك أن قوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله) محتمل أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم في صلاتكم التطوع ... فثم وجه الله ... ."
ومحتمل فأينما تولوا من أرض الله فتكونوا بها فثم قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها, لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها.
ومحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعائكم.
فإن كان قوله عز وجل: {فأينما تولوا فثم هنالك وجه الله} محتملًا ما ذكرنا من الأوجه, لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها, لأن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ, ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله) معنيٌ به: فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم, ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه نحو بيت المقدس, أمرًا من الله عز وجل لهم أن يتوجهوا إلى الكعبة, فيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس إذ كان أهل العلم من أصحاب رسول - صلى الله عليه وسلم - وأئمة التابعين من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى, ولم يرد خبر عن رسول - صلى الله عليه وسلم - ثابت بأنها نزلت فيه, وكان الاختلاف في أمرها موجودًا على ما وصفت, ولا هي إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا قامت حجتها بأنها منسوخة, إذ كانت محتملة ما وصفنا بأن تكون جاءت بعموم [1] .
ويقول الرازي: (إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد, فالآية منسوخة, وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة, فالآية ناسخة, وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة) [2] .
أقول إن كانت الآية منسوخة فلا بدلنا أن نعرف الناسخ الذي نسخها, ونعرف مدى صحة هذا الناسخ, وإن كانت الآية ناسخة فلا بدلنا أن نعرف ماذا نسخت, أو ما المنسوخ بهذه الآية, أما القول بأنها ناسخة وأنها نسخت القبلة والتوجه إلى بيت المقدس فهذا لا يصح لأدلة منها:
1 -أن كثيرا من أهل العلم من أصحاب رسول - صلى الله عليه وسلم - وأئمة التابعين, أنكروا أن تكون هذه الآية ناسخة لقبلة بيت المقدس.
2 -أنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر أو أثر يبين مدى صحة هذا الكلام، أما القول بأنها منسوخة وأن الناسخ لها هو قوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في (السماء ... ) .
(1) - تفسير الطبري ج/1 ص 580 - 581
(2) - تفسير مفاتح الغيب للرازي 4/ 23.