إن الله سبحانه وتعالى عادل لايظلم أحدًا، ولما كانت هذه هي صفته سبحانه وتعالى، فقد شرع لعباده المؤمنين من الأحكام ما يمكن من خلاله حفظ الحقوق، درءًا لحصول الخلاف والشقاق بين بني الإسلام.
إن المسلم عندما يقوم بدفع جزءً من ماله لأخيه المسلم على سبيل القرض الحسن أو الدين، فإنه في ذلك إنما يفعل خيرًا، ولما كان الشيطان هو الذي يتولى فتنة الناس عن دينهم، فهو أحق بأن يحاول الوسوسة لهم لهضم ما عندهم للآخرين من ذمم مالية. وبهذا يقع اللغط بين المسلمين، وينشغل صاحب المال بإثبات حقه، أو محاولة الحصول عليه، أما الآخر فيتحول إلى آكل لحقوق الغير يستمرؤها، فيطعم نفسه وأهل الحرام، مما يجعل للنار فيهم نصيبًا كبيرًا.
لهذا ولحكم كثيرة غيره، فقد وجه الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين إلى ضرورة تثبيت الدين بواسطة الكتابة، وأن تكون هذه الكتابة عن طريق شخص عارف بوسائل تثبيت الحقوق سماه الله سبحانه وتعالى بالكاتب العدل، وشرط أن يكون المملي هو الشخص المدين أو وكيله، من أجل أن لا يقع غُبنٌ في الأمر، وأن يكون الأمر لازمًا في المستقبل عليه، بحيث لا يعترض ولا يقول قولًا يحتج به أن هذا لم يكن، ثم زاد الله سبحانه وتعالى على هذا الأمر، أن أوجب الإشهاد مع الكتاب زيادة في التثبت، وشرط لذلك رجلين، أو رجلٌ وامرأتان في حالة عدم وجود الرجل الثاني.
ولقد حث الله سبحانه وتعلى على كتابة هذا الدين مهما كان صغيرًا او كبيرًا، وذلك حتى يقطع دابر أي خلاف يحتمل له أن يكون او ينشأ في المستقبل بين المسلمين.
ومراعاة منه لسهولة التعامل بالمال إذا كان على صيغة التجارة، فقد رخص بعدم الكتابة. ورخص في حالة السفر بعدم الكتابة عند فقط الكاتب لكن أوجب قبض الرهن. ونبه الحق سبحانه وتعالى على الذين يأخذون الودائع من الناس على سبيل الأمانة، بأن يؤدوها كما هي من غير نقص.
وفي ختام هذه الآية التي اعتبرت أطول آية في القرآن، يطلق الحق تحذيرًا لمن يقبلون بالشهادة، بأن عليهم أن لا يضارون بالشهادة، ويعتبر عملية النكوص عن الشهادة، او تبديلها بأنها تغمس القلوب بالإثم، والقلب كما هو معروف محلٌ للتقوى،