أما عند العرب قبل الإسلام، فقد جاء الإسلام والطلاق من النظم الاجتماعية السائدة؛ بمعنى أن الإسلام لم يبدأ فيهم شريعة الطلاق كما قد يتوهم البعض، فقد ظهر الإسلام وحق الرجل في الطلاق حق مقرر يمارسه الناس دون حرج أو إنكار من أحد، ولكنه كان حقًا واسعًا مسرفًا في سعته، فكان للرجل أن يطلق زوجته أي عدد يشاء من المرات، وله أن يراجعها ما دامت في عدتها، وكثيرًا ما كان يستخدم هذا الأسلوب للإضرار بالزوجة؛ الأمر الذي اقتضى من الإسلام ضرورة تعديله، فقد أظهرت أحدى الحالات فساد وشناعة عدم وضع حد أقصى لعدد الطلقات التي يمارسها الرجل، ضرورة وضع هذا الحد، فقد هدد رجل زوجته في عهد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مستندًا على هذا الحق بأنه لا يؤويها ولا يرسلها أبدًا، فلما استفسرت منه عن الطريقة أخبرها أنه يطلقها حتى إذا قاربت إنهاء عدتها راجعها ثم يمضي في هذا العمل إلى غير ما نهاية، فاضطرت المرأة إلى رفع الأمر على هذه الصورة إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للفصل فيه، وقد استبان للرسول الكريم من هذه الحالة خطورة هذا الحق على سعادة المرأة وراحتها، فقد دلت هذه الحالة على أن هذا الحق قد ينقلب على يد من لا خلاق لهم إلى أداة تعذيب للزوجة وإرهاقها، وأنه لا بد لإنقاذ المرأة من وضع حد لهذه السلطة الدكتاتورية، ومن هنا نزلت شريعة التحديد من الآيتين الكريمتين {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا
فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وبهذا استل من يد الرجل هذا السلاح الرهيب الذي ييسر له إرهاق الزوجة، وتعذيبها، وابتزاز أموالها، إذا أرادت التخلص منه، فالإسلام لم يظهر في مجتمع لا يعرف الطلاق، وإنما ظهر في مجتمع لا يعرف الطلاق حدًا يقف عنده، ولا يهتم بما قد ينشأ عنه من عنت وإرهاق، فلم يحظر الطلاق؛ ولكنه حدده فجعل أقصاه ثلاث طلقات لا غير، وهذا في ضوء ما أمرنا إليه من آداب متعلقة في هذا الباب.
6 -الطلاق في شريعة موسى -عليه السلام-: