ومن خلال هذا ترى أن كل امرأة تستطيع شأنها شأن الرجل أن تنهي عقد الزواج؛ دون تعلل بأن المرأة التي تخلع نفسها تفقد حقوقها؛ على اعتبار أن الرجل الذي يطلق زوجته يفقد ما أنفقه عليها، كما يدفع كل التزاماته نحوها، بل ويفقدها هي نفسها، وعليها إذا شاءت إنهاء الزواج أن تتحمل نفس الأعباء التي يتحملها الرجل، أو مثلها على الأقل (1) وجوز الشرع الخلع دفعًا للضرر عن المرأة، والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا كره المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا كرهت الرجل.
وقد حدث في صدر الإسلام فيما رواه ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-"أتردين عليه حديقته؟"، قالت نعم، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"، وفي لفظ ولكني لا أطيقه.
وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي اللَّه عنه- عند ابن ماجه أن ثابت بن قيس كان دميمًا، وأن امرأته قالت: لولا مخافة اللَّه لبصقت في وجهه"."
ولأبي داود والترمذي وحسنه: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عدتها حيضة.
فإذا كرهت المرأة الرجل، وعلمت أنها لا تؤدي حق اللَّه في طاعته حين ذلك جاز لها الخلع على العوض، وذلك لأن بين الزوجين عقدًا بموجب النكاح الصحيح له شروطه كسائر العقود، فلما كان من أسباب انعقاده وشروطه أن يدفع الزوج لها مهرًا ويلتزم بحقها في الإنفاق عليها بالمعروف، فإن أبغضته ونفرت منه بحيث لا تستطيع إمضاء العقد إلى الأبد مع الخوف من الوقوع من المعصية من عدم طاعته؛ كان لها كطرف من طرفي العقد أن تطلب فضه، ولما كان في ذلك إضرار لاحق به، كان لا بد من تعويضه عن هذا الضرر اللاحق به، ولأنها عندما قبلت العقد كان ذلك القبول بعوض هو المهر والنفقة قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229) .