كما يمكن القول: بأن الخلاف حولها لفظي عند الجمع بين النواحي التنظيرية والتطبيقية للفقهاء القائلين بها ، لقيامهم بالإنكار على مخالفيهم فِي الاجتهاد فِي مسائل خلافية ، وعند القول بأن المراد من أن كل مجتهد مصيب فِي أصل الاجتهاد ، أو فِي رفع الإثم عنه وثبوت الأجر له ، أو فِي الاجتهاد فِي مسألة اجتهادية محتملة.
وهذا كله يقود إلى أن المراد الأعظم من وضع هذه القاعدة: الحث على الاجتهاد ، واستكثار الآراء فِي المسألة للمتأهلين من أجل الوصول إلى الهدى الرباني ، وأن يجتمع المسلمون حول عاصم الأخوة ، وحقائقها القطعية.
ثانياً: قاعدة (استحباب الخروج من الخلاف) :
وخوفاً من أن يؤدي الاختلاف إلى التنازع ، ويطغى على حقوق الأخوة الإسلامية ، فإن أهل العلم قد وضعوا قاعدة أخرى تمثل تتميماً لقاعدة: (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) وذلك بالنظر إلى النصوص القطعية التي تمنع التنازع بين المسلمين وتحرمه ، واعتبار ذلك أحد المقاصد الهامة للشريعة الإسلامية... فالاختلاف ، مهما كان مبرره ، هو بوابة التنازع ، وهذه القاعدة هي: (استحباب الخروج من الخلاف) .
وقد صارت (مراعاة الخلاف) قاعدة فقهية معتمدة وعُرِّفت بأنها: إعمال دليل (المخالف) فِي لازم مدلوله الذي أُعْمِلَ فِي نقيضه دليلٌ آخر ، أو يقال هي: اعتبار خلاف (الغير) بالخروج منه عند قوة مأخذه بفعل ما اختلف فيه ( [72] ) .
ومن أمثلة ذلك ، أن الإمام مالك ، رحمه الله ، اختار أن يكون الوتر ثلاث ركعات"لأن جماعة من أهل العلم يقولون الوتر ثلاث ركعات لا سلام فيها ، فأراد مالك إبقاء الصورة إذ لم يجز عنده اتصالها" ( [73] ) .. والشافعية يستحبون مسح الرأس كله فِي الوضوء مع أنهم لا يقولون بوجوب ذلك مراعاة لخلاف المالكية.
وقسم العز بن عبد السلام الخروج من الخلاف إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون الخلاف فِي التحريم والجواز ، فالخروج من الاختلاف بالاجتناب أفضل.