القسم الثاني: أن يكون الخلاف فِي الاستحباب أو الإيجاب ، فالفعل أفضل ، كقراءة البسملة فِي الفاتحة فإنها مكروهة عند مالك واجبة عند الشافعي ، وكذلك رفع اليدين فِي التكبيرات فإن أبا حنيفة لا يراه من السنن وكذلك مالك فِي أحد الروايتين عنه ، وهو عند الشافعي سنة للاتفاق على صحة الأحاديث وكثرتها فيه... والضابط فِي هذا أن مأخذ المخالفة إن كان فِي غاية الضعف والبعد من الصواب فلا نظر إليه ولا التفات إليه إذا كان ما اعتمد عليه لا يصح نصه دليلاً شرعاً ، ولا سيما إذا كان مأخذه مما ينقض الحكم بمثله ، وإن كانت الأدلة فِي سائر الخلاف بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد ، فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه حذراً من كون الصواب مع الخصم ، والشرع يحتاط لفعل الواجبات والمندوبات كما يحتاط لترك المحرمات والمكروهات ( [74] ) .
ولكن الخلاف الذي يُراعى هنا هو ما كان فِي المسائل الاجتهادية لا فِي كل خلاف ، أي ما كان مأخذ المخالف فيما ذهب إليه قوياً بحيث لا يعد هفوة أو شذوذاً ، فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع فهو معدود فِي جملة الهفوات والسقطات لا من الخلافيات المجتهدات ، ومن ها هنا لم يراع خلاف أبي حنيفة رحمه الله فِي الرواية المنقولة عنه فِي بطلان الصلاة برفع اليدين ، وكذلك إسقاطه الحد فِي القتل بالمثقل واعتباره إياه شبهة تدرأ الحد.. ومنه أيضاً ما نقل عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله من إباحة وطء الجواري بالعارية ( [75] ) .
وإنما كان الحرص علىالخروج من الخلاف لسببين: خوفاً من احتمال التورط فِي نقيض مقصود الشارع بفعل ما هو خلاف الأولى مطلقاً ؛ وللحاجة الماسة للأمة الإسلامية إلى تقريب وجهات النظر بينها ، عسى أن تجتمع كلمتها ، وتتحد صفوفها كأنها بنيان مرصوص.
فالاختلاف سواء كان اختلاف تنافٍ أو تضاد يؤدي إلى التنازع ، بل إن اختلاف التنوع قد أدى إلى التنازع فِي صور قديمة ومعاصرة ، فكيف إذا كان اختلاف تنافٍ ؟