وقد كان الصحابة يُخَطِّيء بعضهم بعضاً فِي الاجتهادات ، حتى فِي المسائل الاجتهادية ، كما تقدم ، وكما"روي أن علياً رضي الله عنه وابن مسعود وزيداً خطَّؤوا ابن عباس فِي ترك القول بالعول حتى قال ابن عباس: من شاء باهلته ، إن الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يجعل فِي مال واحد نصفاً ونصفاً وثلثاً. قد ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث ؟ وروي عن ابن عباس أنه قال: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت ، يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً ... وهذا إجماعٌ ظاهرٌ على تخطئة بعضهم بعضاً فِي مسائل الاجتهاد ، فدل على أن الحق من هذه الأقوال فِي واحد وما سواه باطل" ( [68] ) بل"كان ينكر بعضهم على بعض أقاويلهم فِي مسائل الاجتهاد إنكار من يجوز أنه من أهل النار ، وإن كان غفرانه فِي الجملة مقطوع" ( [69] ) ، بل ثبوت أجره على الاجتهاد أمر بدهي فِي الشريعة الإسلامية.
لذلك يمكن القول: إن المراد بهذه القاعدة - حال التسليم بها - هو أن الاجتهاد صواب فِي ذاته لا فِي نتيجته ، وقد يكون المراد صواب الاجتهاد فِي المسائل الاجتهادية التي لكل فيها حظٌ من النظر ، لا فِي المسائل الخلافية ، ولذا قال الزركشي:"الإنكار من المنكر إنما يكون فيما اجتمع عليه فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه ، لأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد ولا نعلمه ، ولم يزل الخلاف بين السلف فِي الفروع ، ولا ينكر أحد على غيره مجتهداً ( [70] ) فيه ، وإنما ينكرون ما خالف نصاً أو إجماعاً قطعياً أو قياساً جلياً" ( [71] ) ، فهذا الذي قرره الزركشي هو مدار البحث ، وهو متفق عليه لا يخالف فيه أحد ، إنما يتفرقون فِي التعبير والتفصيل بعد ذلك ... ولكن المحاكمة تكون إلى هذا الأصل.