ويؤكد ما سبق حقيقة هامةٍ من حقائق الشريعة ، هي أن الاجتهاد من مقاصد الشريعة ، وفي مسائله السعة ، وأما الاختلاف الذي يؤدي للتنازع فليس مقصوداً للشريعة ، ولا هو من طبيعتها ، فالشريعة"لا اختلاف فيها ، وإنما جاءت حاكمةً بين المختلفين فيها ، وفي غيرها من متعلقات الدين ، فكان ذلك عندهم عاماً فِي الأصول والفروع حسبما اقتضته الظواهر المتضافرة والأدلة القاطعة ، فلما جاءتهم مواضع الاشتباه وكلوا ما لم يتعلق به عملٌ إلى عالمه على مقتضى قوله تعالى: (( وَالرسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ ) ) (آل عمران: 7) ، و [لأن] الفِطَر والأنظار تختلف فوقع الاختلاف من هنا لا من جهة أنه من مقصود الشارع ، فلو فرض أن الصحابة لم ينظروا فِي هذه المشتبهات الفرعية ولم يتكلموا فيها ، وهم القدوة فِي فهم الشريعة ، والجري على مقاصدها ، لم يكن لمن بعدهم أن يفتح ذلك الباب للأدلة الدالة على ذم الاختلاف" ( [55] ) .
وقد أنكر الصحابة بعضهم على بعض فِي المسائل الاجتهادية من المسائل الخلافية ، لكن الإنكار لم يتعد أن يكون باللسان ، وقد يتسع بهذا الأسلوب إلى نوعٍ من التشهير غير القادح فِي صحة الدين ، ولا التارك لحسن الظن بالمسلمين ، وهو ما صارت أمم الأرض تفاخر به إن وجد عندها ، وتدرجه تحت إطار النقد ، وتعتبره قيمة إنسانية عليا ، وحقاً من حقوق الإنسان فِي علاقته مع الآخر ، دون أن يشق ذلك على الآخر أو يعتبره تهجماً ، أو قدحاً فِي العرض أو الدين ، وتقدم بعض ما يدل على ذلك.