التوسع فِي (الفهوم) :
إن مسألة الفهم للنص ، وكون فهم فلانٍ له ليس بأولى من فهم مقابله ، على ما جاء فِي الشبهة ، أمر صحيح فِي المسائل الاجتهادية مما سبق بيانه ، ولكنه غير صحيح على إطلاقه ، أي غير صحيح أن يقال فِي كل مسألة خلافية ؛ إذ قد يكون الفهم عملاً بالظاهر ، والقرائن التي تحف به تقتضيه أو تنفيه ، وقد يكون الفهم تأويلاً صحيحاً ، وقد يكون تأويلاً فاسداً ، وقد يكون الفهم تحريفاً للكلم عن مواضعه ... فهل كل فهمٍ يُقبل حتى يُقال ليس فهم فلانٍ بأولى من فهم الآخر ؟ ... إن للفهم ضوابطه التي يقبل بها ، وموازينه التي يوزن بها ... فهو ليس مرسلاً على عواهنه.
وتكمن المشكلة فِي أن النزاع لو رُدَّ إلى المذاهب (الفهوم) لآل ذلك إلى أن يكون الدين بالهوى والتشهي ، فيختار كل ما هو أسهل له فِي الخلاف ؛ إذ يعتبره فهماً للنص ، فلا مناص من الرجوع إلى النص معياراً للتذكير والإنكار ، فهو السبيل للخروج من الهوى وفق الضوابط المعلومة ، وقد جعل الشاطبي ، رحمه الله تعالى ، ذلك فِي مسائل الخلاف"ضابطاً قرآنياً ينفي اتباع الهوى جملة ، وهو قوله تعالى: (( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ ) ) (النساء: 59) ، وهذا المقلد قد تنازع فِي مسألته مجتهدان فوجب ردها إلى الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد الرجوع إلى الأدلة الشرعية من كتابٍ وسنةٍ صحيحة ، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة ، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول ، وهذه الآية نزلت على سبب فيمن اتبع هواه بالرجوع إلى حكم الطاغوت ، ولذلك أعقبها بقوله: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) ) (النساء: 60) الآية" ( [44] ) .