وأما الجواب على هذه الشبهة ، فيتمثل أساساً فِي: أن الخلاف فِي بعض المسائل إنما نشأ بسبب غياب النص من حافظة المجتهد ، وهذه الشبهة مبنيةٌ على أن إمام المذهب ثم أتباعه من بعده قد أحاطوا بالنصوص علماً ، بحيث تبقى المشكلة فقط فِي دلالة النص! وهذا خلاف نصوص أئمة المذاهب المتقدمة ، كما أنه لا يجرؤ أحدٌ على التصريح به ، فإن الخطأ فِي الاجتهاد قد يعرض"إما بخفاء بعض الأدلة حتى يتوهم فيه ما لم يقصد منه وإما بعدم الإطلاع عليها جملة" ( [36] ) ، ولذا قال الشافعي منبهاً على هذا التقعيد النفسي الفاسد فِي النظر إلى أئمة المذاهب المتبوعة:"ما من أحدٍ إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه ، فمهما قلت من قول ، أو أصلت من أصل ، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت ، فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قولي" ( [37] ) .
فما الذي يجب عند ذلك ؟
لقد قَعَّد الإمام الشافعي القاعدة التي تجب إزاء ذلك ، فقال:"أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد" ( [38] ) ، وقال ابن عابدين مبيناً علة إمكان أن تنسب بعض الاختيارات الشافعية للحنفية"لأن ما صح فيه الخبر بلا معارض فهو مذهب للمجتهد وإن لم ينص عليه ، لما قدمناه فِي الخطبة عن الحافظ ابن عبد البر والعارف الشعراني عن كل من الأئمة الأربعة أنه قال: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) " ( [39] ) .