وقد كانت نتيجة ذلك فِي العصور المتأخرة للدولة الإسلامية قبل حل الخلافة العثمانية أن يكون لكل مذهبٍ قاضياً فِي المدينة الواحدة ، وقد يتطور الأمر إلى أن يكون لكل مذهبٍ إماماً فِي الصلاة! ( [35] ) ، وأما بلاط الحكم أي مقر الحكم المملوكي ، أو الخلافة العثمانية فإنه يكون متمذهباً بمذهبٍ واحد.
ولكن النتيجة الخطرة لاستقرار هذا النوع من التعامل مع النص - إن نجح فِي العصر الحديث - أن يُرضى بالعلمانية بديلاً عن تحكيم الشريعة ، وذلك لأن كل إنسانٍ - بحسب هذه الشبهة - لا ينبغي له أن يفرض (رأيه الفقهي) على الآخر ، فيصير الأمر فوضى ، أو يُقبل بالمذاهب المختلفة ، وفضاً للنزاع بين المذاهب (الفهوم) المختلفة فالمقترح المناسب لموضة العصر هو العلمانية التي تكفل لكل مذهبٍ (فهمٍ) حريته ، وتبقى الدولة فِي منأى عن ذلك ، وتختار الفهم المناسب لها.
أما فِي الواقع الحالي ، فإن مذهبية بعض الاتجاهات الإسلامية المعاصرة قد بلغت من الاختلاف حداً كبيراً فِي فترة وجيزة ، عند مقارنتها بنشأة المذاهب الفقهية الإسلامية ، وبداية التعصب فيها ، وصار خصوم الإسلاميين يرون العلمانية الحل الأمثل للجمع بين هذه التيارات التي لم تجمعها مقاصد الدين ، ونصوصه القطعية.
فهي شبهة ذات شقين: هل كل مسألة خلافية يقبل فيها بكل الآراء لمجرد أنها خلافية ، ويهدر النص لمجرد الاختلاف فِي دلالته ، وفي مقابل ذلك فإن كثيراً من الناس يجعلون رأياً قيل فِي مسألةٍ اجتهادية أمراً قاطعاً تدور حوله الولاءات ، وتقطع من أجله الصلات الشرعية القطعية ، مع أن هذا الرأي يعبر عن صاحبه ، ووجهة نظره فِي فهم المسألة والنظر فِي الفتوى الشرعية المناسبة لها من خلال النصوص والمقاصد العامة.