لعل هذه بعض أسباب وضع هذه القاعدة ، ولم يقصد الفقهاء من وضعها أن تعود القاعدة الفقهية على أصلها وهو النص ، وما تبعه بالإلغاء والإبطال.
بين وجهة النظر الشخصية.. والالتزام بالشرع
ربما اعترض معترض: بأنه لا خلاف فِي الرجوع إلى النص عند التنازع ، ولا خلاف فِي جعله معياراً للإنكار والتذكير ، ولا يعقل أن تُجْعل نصوص الأئمة مقابل النص ، ولكن القاعدة السابقة تجعل معيار الإنكار هو مذهب المحتَسَب عليه ، ما وضعها الفقهاء إلا لأنهم أيقنوا أن اختلاف الأئمة إنما كان فِي دلالة النص ، وكلٌ له قرائنه فِي نصرة فهمه للنص المعصوم ، سواءً فهم أن النص الذي يُرجع إليه يجب تأويله ، أو أنه خاص ، أو عام ، أو مطلق ، أو مقيد ، أو منسوخ ... وكلٌ من المذاهب ينصر رأيه ، ويعتقد أنه الحق ... ولسان حال كلٍ:"ليس فهمك للنص بأولى من فهمي له"... ولذا وُضِعَتْ هذه القاعدة.
وبتعبير آخر ، قد يقال: لا خلاف فِي الأخذ بالنص ... بل عندما تَدَّعي أن النص"الشرع"معك فِي مسألة معينة اختلفنا فيها ندعي - نحن - أن النص معنا فيها ... فما تقول بأنه حرامٌ لدليلٍ نقول هو حلالٌ لدليلٍ.. فضابط أن يكون معيار التذكير بالإنكار هو النص لا خلاف عليه ، لكنه غير ضابطٍ لاختلاف الأنظار فيه.
هذه الشبهة ، صارت شنشنة عصرية يرددها غير المتخصصين ، وأحياناً يرددها خصوم الشريعة ، ووقع فيها بعض المتخصصين ، ولذا باتت ترددها أعمدة بعض الصحف الليبرالية عند مناقشة أي قضيةٍ من زاويةٍ إسلامية ، وصار سلاح (هذا فهمك للنص ، ووجهة نظرك فيه فلا تفرضها على غيرك) سلاحاً فعالاً عند العلمانيين تلقفه بعض الإسلاميين تحت وطأة الانهزام النفسي ، والضغط الهائل على أمة الإسلام من كل جهة.