لكنني أؤكد أن كل ما سبق لا يؤثر على مقدار العالم وتبجيله فِي وسط المجتمع المسلم ، ولا يجعل أتباعه أيضاً يتبعونه فِي كل شيء ويسلموه دينهم فِي كل شيء تعصباً ، ولا يجعل مخالفيهم يتشغبون عليه وعليهم تفسيقاً وتضليلاً وتبديعاً ، بل غاية ما يفعلونه نصحهم بود ، وإنكار خطأهم برفق ، ولننظر فِي القصة التالية وكيف تعامل معها محقق كالإمام الذهبي ، فيما لو صحت ، فقد قال أحمد بن حنبل: بلغ بن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث البيعان بالخيار فقال: يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ، ثم قال: أحمد هو أورع وأقول بالحق من مالك. قلت: لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال: هذا الكلام القبيح فِي حق إمام عظيم ، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخاً ، وقيل عمل به وحمل قوله حتى يتفرقا على التلفظ بالإيجاب والقبول ، فمالك فِي هذا الحديث وفي كل حديث له أجر ولا بد فإن أصاب ازداد أجراً آخر ، وإنما يرى السيف على من أخطأ فِي اجتهاده الحرورية ، وبكل حال فكلام الأقران بعضهم فِي بعض لا يعول على كثير منه ، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه ، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه ، بل هما عالما المدينة فِي زمانهما رضي الله عنهما ( [79] ) ، وقد اعتذر الأمام أحمد للإمام مالك فِي تأوله لهذا الحديث بما يدل على سعة صدره مع مخالفيه ، فقال:"ومالك لم يرد الحديث ولكن تأوله ذلك" ( [80] ) .
من أقوال الأئمة الأربعة فِي معيار الإنكار
النقول عن الأئمة الأربعة ، رحمهم الله ، فِي معيار الإنكار كثيرة ، منها:
أولاً: من أقوال أبي حنيفة ، رحمه الله تعالى ، وتقعيداته للمذهب:
1 -"إذا صح الحديث فهو مذهبي" ( [81] ) .
2 -"... لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"قاله أبو حنيفة وأبو يوسف ( [82] ) .
3 -"... وإذا قلت قولاً يخالف كتاب الله سبحانه وتعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي" ( [83] ) .