فإذا عرف أن الاختلاف حقيقةٌ واقعية ، بل إن الاختلاف فِي الأحكام أكثر من أن ينضبط ، سهل تربية النفس على الموقف الصحيح منه ، نابذاً ابتداءً كل تقطيعٍ لعرى الأخوة لمجرد وقوع الخلاف بينهما ،"ولو كان كل ما اختلف مسلمان فِي شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة" ( [58] ) .
إن وقوع الاختلاف ، يفترض أن يؤدي إلى أخذ الصواب من كل طرف ، ولا تمنع هيبة المخطئ من الإنكار عليه ، لكن دون حطٍ أو تفريطٍ فِي حقوق الأخوة الإسلامية ؛ كما قال الذهبي:"وبين الأئمة اختلاف كبير فِي الفروع وبعض الأصول ، وللقليل منهم غلطات وزلقات ، ومفردات منكرة ، وإنما أُمِرْنا باتباع أكثرهم صواباً ، ونجزم بأن غرضهم ليس إلا اتباع الكتاب والسنة ، وكل ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل ، وإذا رأيت فقيهاً خالف حديثاً أو رد حديثاً أو حرف معناه فلا تبادر لتغليطه... وإنما وضعت المناظرة لكشف الحق ، وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه ، وتنبيه الأغفل الأضعف" ( [59] ) ...
وقد يكون مع كل طرفٍ شيء ٌ من الصواب وشيء من الخطأ ، فيؤخذ الصواب من كل طرف مع التماس العذر فِي وقوع الخطأ.
( [1] ) قال القرافي - وهو يتحدث عن القواعد الفقهية -:"لكل قاعدة من الفروع فِي الشريعة ما لا يحصى". انظر: الفروق للقرافي ، 1/2.
( [2] ) أخرجه مسلم ، 2/ 911 .
( [3] ) أخرجه مسلم ، 1/ 453 .
( [4] ) حتى أنه يمكن الإشارة إليه - لشدة خفائه على المتصدرين فِي محاريب الفكر والقلم فِي عصرنا - بـ (علم حفريات المصطلح) .
( [5] ) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، 7/ 123.
( [6] ) انظر درر الأحكام شرح مجلة الأحكام ، 1/ 33 .