كأنهم مربوطون بالأسباب ، محجوبون عن شهود التقدير ، غيرُ متحقِّقين بتصريف الأيام ، فأنْطَقَهُم بما خَامَرَ قلوبَهم مِنْ تَمَنِّي انطفاء نورِ رسول الله ، وانتكاث شَمْلِهم ، فتواصَوْا فيما بينهم بقولهم: {لاَ تُنفِقُواْ عَلى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} فقال تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ} .
وليس استقلالُك - يا محمد - ولا استقلالُ أصحابِك بالمرزوقين.. بل بالرازق ؛ فهو الذي يمسككم.
قوله جل ذكره: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنََّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} .
إنما وقع لهم الغَلَطُ في تعيين الأعزِّ والأذَلِّ ؛ فتوَهَّموا أنَّ الأعزَّ هم المنافقون ، والأذلَّ هم المسلمون ، ولكن الأمر بالعكس ، فلا جَرَمَ غَلَبَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وأُذِلَّ المنافقون بقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} : لله عِزُّ الإلهية ، وللرسول عِزُّ النبوَّة ، وللمؤمنين عِزُّ الولاية. وجيمعُ ذلك لله ؛ فعِزُّه القديم صِفَتُه ، وعِزُّ الرسولِ وعِزُّ المؤمنين له فِعْلاً ومِنَّةً وفَضْلاً ، فإذاً لله العِزَّةُ جميعاً.
ويقال: كما انَّ عِزَّةَ الله - سبحانه - لا زوالَ لها فعِزَّة الأنبياء بأن لا عَزْلَ لهم ، وعِزَّةُ المؤمنين بألا يَبْقَى منهم مُخَلَّدٌ في النار.
ويقال: مَنْ كان إيمانُهم حقيقياً فلا زوالَ له.
ويقال: مَنْ تعزَّزَ بالله لم يلحقه تَغَيُّرٌ عن حاله بغير الله.
ويقال: لا عِزَّ إلاَّ في طاعةِ الله ، ولا ذُلَّ إلاَّ في معصية الله... وما سوى هذا فلا أصلَ له.