فليس لأحد أن يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء ، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرته واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال: {الحجرات} ولم يضفها إليه إجلالاً له ، وليشمل كوني في غيرها أيضاً ، والمعنى: مبتدئين النداء من جهة تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك ، وهي جمع حجرة ، وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون داخله بقول أو فعل ، فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح شيء من حاله ، لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة ، وأسند الفعل إلى الجمع وإن كان المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي.
ولما كان الساكت قد لا يكون راضياً قال: {أكثرهم} أي المنادي والراضي دون الساكت لعذر {لا يعلقون} لأنهم لم يصبروا ، بل فعلوا معه - صلى الله عليه وسلم - كما يفعل بعضهم مع من يماثله ، والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد القهار.
ولما ذمهم بسوء عملهم ، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال: {ولو أنهم} أي المنادي والراضي {صبروا} أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم ، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة ، وصبر عن كذا - محذوف الفعل لكثرة دوره ، أي نفسه {حتى تخرج} من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق.
ولما كان الخروج قد يكون إلى غيرهم من المصالح ، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليه قال: {إليهم} أي ليس لهم أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا تفعل شيئاً في غير حينه بمقتضى أمر الرسالة {لكان} أي الصبر.