الرابعة قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبيّ صلى الله عليه وسلم مَيّتاً كحرمته حيًّا ، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثالُ كلامه المسموع من لفظه ، فإذا قرئ كلامه ، وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ، ولا يَعرض عنه ؛ كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به.
وقد نبّه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ} [الأعراف: 204] .
وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوَحْي ، وله من الحكمة مثل ما للقرآن ؛ إلا معاني مستثناة ، بيانها في كتب الفقه.
الخامسة وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاْستخفاف والاْستهانة ؛ لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون.
وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جَرْسه غير مناسب لما يُهاب به العظماء ويوقّر الكبراء ، فيتكلف الغض منه وردّه إلى حدٍّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.
ولم يتناول النهي أيضاً رفع الصوت الذي يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاندٍ أو إرهاب عدوّ أو ما أشبه ذلك ؛ ففي الحديث أنه"قال عليه السلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حُنين:"اصرخ بالناس"، وكان العباس أجهر الناس صوتاً."
يروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدّة صوته ، وفيه يقول نابغة بني جعدة:
زَجْرُ أبي عُرْوة السباع إذا ...
أشفق أن يختلطن بالغنم
زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه.