السادسة قال الزجاج: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} التقدير لأن تحبط ؛ أي فتحبط أعمالكم ، فاللام المقدرة لام الصيرورة وليس قوله: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم ؛ فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر ، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا يختاره بإجماع.
كذلك لا يكون الكافر كافراً من حيث لا يعلم.
قوله تعالى: {إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله}
أي يخفِضون أصواتهم عنده إذا تكلموا إجلالاً له ، أو كلموا غيره بين يديه إجلالاً له.
قال أبو هريرة: لما نزلت {لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ} قال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السِّرَار.
وذكر سنيد قال: حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال: لما نزلت: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ} قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعد هذا إلا كأخي السِّرار.
وقال عبد الله بن الزبير: لما نزلت: {لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ} ما حدث عمر عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه مما يخفض ؛ فنزلت: {إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى} .
قال الفراء: أي أخلصها للتقوى.
وقال الأخفش: أي اختصها للتَّقْوَى.
وقال ابن عباس:"امتحن اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى"طهّرهم من كل قبيح ، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى.
وقال عمر رضي الله عنه: أذهب عن قلوبهم الشهوات.
والامتحان افتعال من مَحَنْتُ الأدِيمَ مَحْناً حتى أوسعته.
فمعنى امتحن الله قلوبهم للتقوى وسّعها وشرحها للتقوى.
وعلى الأقوال المتقدمة: امتحن قلوبهم فأخلصها ؛ كقولك: امتحنت الفضة أي اختبرتها حتى خلصت.