عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ:"قَدِمَ وَفْدٌ أَرَاهُ قَالَ: تَمِيمٌ، عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْهُمُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى قَوْمِهِ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ قَالَ: وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} قَالَ: فَمَا حَدَّثَ عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَسْمَعُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ"
وَقَوْلُهُ: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ}
يَقُولُ: أَنْ لَا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ فَتَذْهَبَ بَاطِلَةً لَا ثَوَابَ لَكُمْ عَلَيْهَا، وَلَا جَزَاءَ بِرَفْعِكُمْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ نَبِيِّكُمْ، وَجَهْرِكُمْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَعْنَاهُ: لَا تَحْبَطُ أَعْمَالُكُمْ قَالَ: وَفِيهِ الْجَزْمُ وَالرَّفْعُ إِذَا وَضَعَتْ «لَا» مَكَانَ «أَنْ» قَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَزْمِ،
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قَالَ: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ: أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَقَدْ يُقَالُ: أَسْنِدِ الْحَائِطَ أَنْ يَمِيلَ وَقَوْلُهُ: {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}
يَقُولُ: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَدْرُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَكُفُّونَ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْغَضِّ: الْكَفُّ فِي لِينٍ وَمِنْهُ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَهُوَ كَفُّهُ عَنِ النَّظَرِ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ: