وَفِي الْقُرْآنِ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَيُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْهُ لِمَنْ فَهَّمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا وَسِتِّينَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} (الْآيَةِ: 11) فَإِنَّهَا رَأْسُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سُورَةً، وَعَقَّبَهَا بِالتَّغَابُنِ لِيُظْهِرَ التَّغَابُنَ فِي فَقْدِهِ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عِيسَى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} (مَرْيَمَ: 30) إِلَى قَوْلِهِ: {أُبْعَثُ حَيًّا} (مَرْيَمَ: 33) ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ كَلِمَةً، وَعُمُرُهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَقَدِ اسْتَنْبَطَ النَّاسُ زَلْزَلَةَ عَامِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} (الزَّلْزَلَةِ: 1) فَإِنَّ الْأَلْفَ بِاثْنَيْنِ وَالذَّالَ بِسَبْعِمِائَةٍ. وَكَذَلِكَ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْعَرَبِ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَخْلِيصَهُ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الرُّومِ بِحِسَابِ الْجُمَلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ: قَدْ يُسْتَنْبَطُ الْحُكْمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنِ الشَّيْءِ]
وَقَدْ يُسْتَنْبَطُ الْحُكْمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنِ الشَّيْءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} (النُّورِ: 31) الْآيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَعْمَامَ وَالْأَخْوَالَ، وَهُمْ مِنَ الْمَحَارِمِ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ مَنْ سُمِّيَ فِي الْآيَةِ، وَقَدْ سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لِئَلَّا يَضَعَهَا الْعَمُّ عِنْدَ ابْنِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا، وَكَذَا الْخَالُ، فَيُفْضِي إِلَى الْفِتْنَةِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتُثْنِيَ مُشْتَرِكٌ بِابْنِهِ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ إِلَّا الْعَمَّ وَالْخَالَ. وَهَذَا مِنَ الدَّلَائِلِ الْبَلِيغَةِ عَلَى وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِي سَتْرِهِنَّ.