[فَصْلٌ: أَصْلُ الْوُقُوفَ عَلَى مَعَانِي الْقُرْآنِ التَّدَبُّرُ]
أَصِلُ الْوُقُوفَ عَلَى مَعَانِي الْقُرْآنِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلنَّاظِرِ فَهْمُ مَعَانِي الْوَحْيِ حَقِيقَةً، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ أَسْرَارُ الْعِلْمِ مِنْ غَيْبِ الْمَعْرِفَةِ، وَفِي قَلْبِهِ بِدْعَةٌ أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى ذَنْبٍ، أَوْ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ أَوْ هَوًى، أَوْ حُبُّ الدُّنْيَا، أَوْ يَكُونُ غَيْرَ مُتَحَقِّقِ الْإِيمَانِ، أَوْ ضَعِيفَ التَّحْقِيقِ، أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْلِ مُفَسِّرٍ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا عِلْمٌ بِظَاهِرٍ، أَوْ يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى مَعْقُولِهِ؛ وَهَذِهِ كُلُّهَا حُجُبٌ وَمَوَانِعُ، وَبَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ؛ بَلْ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُصْغِيًا إِلَى كَلَامِ رَبِّهِ مُلْقِيَ السَّمْعِ وَهُوَ شَهِيدُ الْقَلْبِ لِمَعَانِي صِفَاتِ مُخَاطِبِهِ، نَاظِرًا إِلَى قُدْرَتِهِ، تَارِكًا لِلْمَعْهُودِ مِنْ عِلْمِهِ وَمَعْقُولِهِ، مُتَبَرِّئًا مِنْ حَوْلِهِ وَقَوَّتِهِ، مُعَظِّمًا لِلْمُتَكَلِّمِ، مُفْتَقِرًا إِلَى التَّفَهُّمِ، بِحَالٍ مُسْتَقِيمٍ، وَقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَقُوَّةِ عِلْمٍ، وَتَمَكُّنِ سَمْعٍ لِفَهْمِ الْخِطَابِ، وَشَهَادَةِ غَيْبِ الْجَوَابِ، بِدُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ، وَابْتِئَاسٍ وَتَمَسْكُنٍ، وَانْتِظَارٍ لِلْفَتْحِ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ.
وَلْيَسْتَعِنْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ تِلَاوَتُهُ عَلَى مَعَانِي الْكَلَامِ، وَشَهَادَةِ وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ؛ مِنَ الْوَعْدِ بِالتَّشْوِيقِ، وَالْوَعِيدِ بِالتَّخْوِيفِ، وَالْإِنْذَارِ بِالتَّشْدِيدِ، فَهَذَا الْقَارِئُ أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ؛ وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} (الْبَقَرَةِ: 121) .
وَهَذَا هُوَ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ؛ جَعَلْنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (الْأَحْزَابِ: 4) .
[فَصْلٌ: فِي أَنَّ فِي الْقُرْآنِ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ]