وَالثَّانِي: أَنْ يُلَفَّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ؛ كَقَوْلِ مَنْ زَعَمَ تَكْلِيفَ الْحَيَوَانَاتِ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (فَاطِرٍ: 24) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} (الْأَنْعَامِ: 38) إِنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ كَمَا نَحْنُ.
وَالثَّالِثُ: مَا اسْتُعِيرَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} (الْقَلَمِ: 42) فِي حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
الرَّابِعُ: مَا أُشْعِرَ بِهِ بِاشْتِقَاقٍ بَعِيدٍ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْبَاطِنِيَّةِ فِي الْبَقَرَةِ: إِنَّهُ إِنْسَانٌ يَبْقُرُ عَنْ أَسْرَارِ الْعُلُومِ، وَفِي الْهُدْهُدِ إِنَّهُ إِنْسَانٌ مَوْصُوفٌ بِجَوْدَةِ الْبَحْثِ وَالتَّنْقِيبِ.
وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ مَا يَرُوجُ عَلَى الْمُتَفَقِّهَةِ الَّذِينَ لَمْ يَتَبَحَّرُوا فِي مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ، وَالثَّانِي عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الْقَاصِرِ فِي مَعْرِفَةِ شَرَائِطِ النَّظْمِ، وَالثَّالِثُ عَلَى صَاحِبِ الْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَتَهَذَّبْ فِي شَرَائِطِ قَبُولِ الْأَخْبَارِ، وَالرَّابِعُ عَلَى الْأَدِيبِ الَّذِي لَمْ يَتَهَذَّبْ بِشَرَائِطِ الِاسْتِعَارَاتِ وَالِاشْتِقَاقَاتِ.
[فَائِدَةٌ: فِيمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الْآيَاتِ]
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ (الْإِسْرَاءِ: 51) فَقَالَ: الْمَوْتُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ تَفْسِيرٌ يَحْتَاجُ لِتَفْسِيرٍ.
وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَوْتَ سَيَفْنَى كَمَا يَفْنَى كُلُّ شَيْءٍ، كَمَا جَاءَ أَنَّهُ يُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى: لَوْ كُنْتُمْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا لَبَادَرَ إِلَيْكُمُ الْمَوْتُ، وَلَوْ كُنْتُمُ الْمَوْتَ الَّذِي يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَلَا بُدَّ لَكُمْ مِنَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَبَقِيَ فِي نَفْسِي مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ حَتَّى يُكْمِلَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ فِي فَهْمِهَا.