وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ تَجَنُّبُ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْقُرْآنِ، إِذِ الزَّائِدُ مَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَكَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ الْإِمَامُ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، فَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الدَّاوُدِيُّ فِي الْكِتَابِ"الْمُرْشِدِ"لَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ.
وَرَوَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ صِلَةٌ بِوَجْهٍ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ خِلَافُ هَذَا، ثُمَّ حَكَى عَنْ أَبِي دَاوُدَ مِثْلَهُ، يَزْعُمُ الصِّلَةَ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلًا مَا بَعُوضَةً} (الْبَقَرَةِ: 26) وَقَالَ: إِنَّ"مَا"هَاهُنَا لِلتَّعْلِيلِ، مِثْلُ: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا.
[فَصْلٌ: فِي تَقْسِيمِ التَّأْوِيلِ مُنْقَادٌ وَمُسْتَكْرَهٌ]
التَّأْوِيلُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُنْقَادٍ وَمُسْتَكْرَهٍ: فَالْأَوَّلُ: مَا لَا تَعْرِضُ فِيهِ بَشَاعَةٌ أَوِ اسْتِقْبَاحٌ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ: إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ فِي اللَّفْظِ، نَحْوُ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (الْأَنْعَامِ: 103) هَلْ هُوَ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ أَوِ الْقَلْبِ؟ وَإِمَّا لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إِلَى النَّظْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} (النُّورِ: 5) هَلْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَعْطُوفِ وَحْدَهُ أَوْ عَائِدٌ إِلَى الْجَمِيعِ؟ وَإِمَّا لِغُمُوضِ الْمَعْنَى وَوَجَازَةِ النَّظْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الْبَقَرَةِ: 227) . وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُسْتَكْرَهُ: فَمَا يُسْتَبْشَعُ إِذَا عُرِضَ عَلَى الْحُجَّةِ، وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا عَامًّا فَيَخْتَصُّ بِبَعْضِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} (التَّحْرِيمِ: 4) فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَطْ.