قِيلَ: أَحْسَنُ طَرِيقِ التَّفْسِيرِ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ، فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَقَدْ فُصِّلَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ بُسِطَ فِي آخَرَ. فَإِنْ أَعْيَاكَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ، وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (النَّحْلِ: 64) وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. يَعْنِي السُّنَّةَ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي السُّنَّةِ يُرْجَعْ إِلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ، لِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْقَرَائِنِ، وَلِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْفَهْمِ الْعَجِيبِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ يُرْجَعْ إِلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ.
[مَسْأَلَةٌ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ مِنَ التَّحَوُّطِ فِي التَّفْسِيرِ]
وَيَجِبُ أَنْ يُتَحَرَّى فِي التَّفْسِيرِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ مُطَابَقَةُ الْمُفَسَّرِ، وَأَنْ يُتَحَرَّزَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ الْمُفَسِّرِ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ إِيضَاحِ الْمَعْنَى الْمُفَسَّرِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى زِيَادَةٌ لَا تَلِيقُ بِالْغَرَضِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُفَسِّرِ زَيْغٌ عَنِ الْمَعْنَى الْمُفَسَّرِ، وَعُدُولٌ عَنْ طَرِيقِهِ، حَتَّى يَكُونَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ أَنْحَائِهِ، بَلْ يَجْتَهِدُ فِي أَنْ يَكُونَ وَفْقَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْحَاءِ، وَعَلَيْهِ بِمُرَاعَاةِ الْوَضْعِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، وَمُرَاعَاةِ التَّأْلِيفِ، وَأَنْ يُوَافِيَ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ، وَتَلْمِيحِ الْوَقَائِعِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَفَجَّرُ لَهُ يَنَابِيعُ الْفَوَائِدِ.
وَمِنْ شَوَاهِدِ الْإِعْرَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} (الْبَقَرَةِ: 37) وَلَوْلَا الْإِعْرَابُ لَمَا عُرِفَ الْفَاعِلُ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ.