الثَّالِثُ: بِاعْتِبَارِ طُرُقِ تَأْدِيَةِ الْمَقْصُودِ بِحَسَبِ وُضُوحِ الدَّلَالَةِ وَحَقَائِقِهَا وَمَرَاتِبِهَا، وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالِاسْتِعَارَةِ وَالْكِنَايَةِ وَالتَّشْبِيهِ؛ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْبَيَانِ.
وَالرَّابِعُ: بِاعْتِبَارِ الْفَصَاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَمُقَابِلِهِ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْبَدِيعِ.
[فَصْلٌ: فِي أَنَّ الْإِعْجَازَ يَكُونُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَالْمُلَاءَمَةِ]
وَقَدْ سَبَقَ لَنَا فِي بَابِ الْإِعْجَازِ أَنَّ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَفَرُّدِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنْهَا الْكَلَامُ، مَعَ مَا تَضْمَنُهُ مِنَ الْمَعَانِي، مَعَ مُلَاءَمَتِهِ الَّتِي هِيَ نُظُومُ تَأْلِيفِهِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْأَلْفَاظِ، فَهُوَ أَمْرٌ نَقْلِيٌّ يُؤْخَذُ عَنْ أَرْبَابِ التَّفْسِيرِ، وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاكِهَةً وَأَبًّا} (عَبَسَ: 31) فَلَا يَعْرِفُهُ، فَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: مَا الْأَبُّ؟ وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا مِنْكَ تَكَلُّفٌ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَهُوَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ - يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ {حَنَانًا} (مَرْيَمَ: 13) ، وَلَا {غِسْلِينٍ} (الْحَاقَّةِ: 36) ، وَلَا {الرَّقِيمِ} (الْكَهْفِ: 9) .
وَأَمَّا الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَمِلُهَا الْأَلْفَاظُ، فَالْأَمْرُ فِي مُعَانَاتِهَا أَشَدُّ؛ لِأَنَّهَا نَتَائِجُ الْعُقُولِ.
وَأَمَّا رُسُومُ النَّظْمِ فَالْحَاجَةُ إِلَى الثَّقَافَةِ وَالْحِذْقِ فِيهَا أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا لِجَامُ الْأَلْفَاظِ وَزِمَامُ الْمَعَانِي، وَبِهِ يَتَّصِلُ أَجْزَاءُ الْكَلَامِ، وَيَتَّسِمُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَتَقُومُ لَهُ صُورَةٌ فِي النَّفْسِ يَتَشَكَّلُ بِهَا الْبَيَانُ، فَلَيْسَ الْمُفْرِدُ بِذَرَبِ اللِّسَانِ وَطَلَاقَتِهِ كَافِيًا لِهَذَا الشَّأْنِ، وَلَا كُلُّ مَنْ أُوتِيَ خِطَابَ بَدِيهَةٍ نَاهِضًا بِحَمْلِهِ مَا لَمْ يَجْمَعْ إِلَيْهَا سَائِرَ الشُّرُوطِ.
[مَسْأَلَةٌ: فِي أَنَّ أَحْسَنَ طَرِيقِ التَّفْسِيرِ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ]