أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَنَافَيَا اجْتِمَاعًا، وَلَا يُمْكِنَ إِرَادَتُهُمَا بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ، كَالْقُرْءِ؛ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، فَعَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْمُرَادِ مِنْهُمَا بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ؛ فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ كَانَ هُوَ مُرَادَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ كَانَ ذَلِكَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ اجْتِهَادِهِ، وَمَا كُلِّفَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لِتَكَافُؤِ الْأَمَارَاتِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُخَيَّرُ فِي الْحَمْلِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَأْخُذُ بِأَعْظَمِهِمَا حُكْمًا، وَلَا يَبْعُدُ اطِّرَادُ وَجْهٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَخَفِّ؛ كَاخْتِلَافِ جَوَابِ الْمُفْتِينَ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَلَّا يَتَنَافَيَا اجْتِمَاعًا، فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِعْجَازِ وَالْفَصَاحَةِ، وَأَحْفَظُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ؛ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ أَحَدِهِمَا. وَهَذَا أَيْضًا ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ دَلَالَتُهُ مُقْتَضِيَةً لِبُطْلَانِ الْمَعْنَى الْآخَرِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ لِلْإِرَادَةِ.
الثَّانِي: أَلَّا يَقْتَضِيَ بُطْلَانَهُ، وَهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَثْبُتُ حُكْمُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مُرَادًا، وَلَا يُحْكَمُ بِسُقُوطِ الْمَعْنَى الْآخَرِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ لِأَنَّ مُوجِبَ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا فَاسْتَوَيَا فِي حُكْمِهِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا تَرَجَّحَ بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ أَثْبَتُ حُكْمًا مِنَ الْآخَرِ؛ لِقُوَّتِهِ بِمُظَاهَرَةِ الدَّلِيلِ الْآخَرِ.
فَهَذَا أَصْلٌ نَافِعٌ مُعْتَبَرٌ فِي وُجُوهِ التَّفْسِيرِ فِي اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.