وَالرَّابِعُ: مَا يَرْجِعُ إِلَى اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أِقْسَامِ التَّفْسِيرِ وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ التَّأْوِيلِ؛ وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَى مَا يُؤَوَّلُ إِلَيْهِ فَالْمُفَسِّرُ نَاقِلٌ، وَالْمُؤَوِّلُ مُسْتَنْبِطٌ، وَذَلِكَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ، وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ. وَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، وَعَلَى الْعُلَمَاءِ اعْتِمَادُ الشَّوَاهِدِ وَالدَّلَائِلِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْتَمِدُوا مُجَرَّدَ رَأْيِهِمْ فِيهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ، فَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَظْهَرَ مِنَ الْآخَرِ، فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْخَفِيُّ دُونَ الْجَلِيِّ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا جَلِيَّيْنِ وَالِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا حَقِيقَةٌ. وَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَخْتَلِفَ أَصْلُ الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا، فَيَدُورُ اللَّفْظُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ؛ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وَفِي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَالشَّرْعِيَّةُ أَوْلَى إِلَّا أَنْ تَدُلَّ قَرِينَتُهُ عَلَى إِرَادَةِ اللُّغَوِيَّةِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (التَّوْبَةِ: 103) وَكَذَلِكَ إِذَا دَارَ بَيْنَ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، فَالْعُرْفِيَّةُ أَوْلَى لِجَرَيَانِهَا عَلَى اللُّغَةِ، وَلَوْ دَارَ بَيْنَ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، فَالشَّرْعِيَّةُ أَوْلَى لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْزَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: لَا تَخْتَلِفُ أَصْلُ الْحَقِيقَةِ، بَلْ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِمَا، فِي اللُّغَةِ أَوْ فِي الشَّرْعِ أَوِ الْعُرْفِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَهَذَا أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: