وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، وَكَأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَحَلَّ لَهُ النِّسَاءَ حَتَّى الْمَوْتِ قُصِرَ عَلَيْهِنَّ كَمَا قُصِرْنَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ
، وَجَمَاعَةٌ وَجَعَلُوا حَدِيثَ عَائِشَةَ سُنَّةً نَاسِخَةً ، وَهُوَ حَدِيثٌ وَاهٍ ، وَمُتَعَلَّقٌ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ؛ فَتَمَّ تَمَامُ الْقَوْلِ وَبَيَانُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِك ، وَتَنْكِحَ غَيْرَهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
الثَّانِي: لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَبَدَّلَ الْمُسْلِمَةَ الَّتِي عِنْدَك بِمُشْرِكَةٍ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
الثَّالِثُ: لَا تُعْطِي زَوْجَك فِي زَوْجَةٍ أُخْرَى ، كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَهُ يَشْهَدُ النَّصُّ ، وَعَلَيْهِ يَقُومُ الدَّلِيلُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَا يُبْطِلُ فَائِدَتَهُ وَيُسْقِطُ عُمُومَهُ ، وَيُبْطِلُ حُكْمَهُ ، وَيَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ.