واختصاص النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بجملةٍ من الأحكام التي لا تنبغي لغيره ليس بغريبٍ أو بعيدٍ؛ لأن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليس كأيِّ شخص من عموم أمَّته؛ بل له من المكانة والحقوق ما ليس لغيره، وعليه من الواجبات والتكليفات ما ليس على غيره، ولا بُدَّ أن تتناسَب الأحكام والتشريعات مع هذه المقامات المختلفة.
ثالثًا: إن جمع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بين أكثر من أربع زوجات هو ممَّا أباحه الله له؛ ودليل ذلك هو قوله - تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ? [الأحزاب: 50] .
وطالما ثبت أن هذا الزواج حلال لا ريب فيه قد أحلَّه الله رب العالمين لرسوله الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلا يمكن الاعتراض عليه أو اعتباره نقيصة أو عيبًا.
رابعًا: كل زيجات النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - تمَّت بقبول ورضا تام من زوجاته - رضوان الله عليهن جميعًا - ولم يُعرَف عن إحداهن أنها لم تكن راضية بهذا الزواج، بل كُنَّ جميعًا في قمَّة السعادة والرضا بهذا الزواج، رغم ما عشن فيه من ضيق في العيش، وقلَّة في متاع الدنيا.
ولقد خيَّرهن الله - تعالى - بين البقاء مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتحمُّل المعيشة الخالية من المُتَع الدنيوية، وبين أن يطلِّقهن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيتمتَّعن بالدنيا وزينتها، فاخترن جميعًا برضا تام البقاءَ معه وعدم مفارقته.
فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"لما أُمِر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: (( إني ذاكرٌ لك أمرًا فلا عليك ألاَّ تعجلي حتى تستأمري أبويك ) )، قالت: قد علم أن أبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه."