أما التحقيق فمعناه: المبالغة في الإتيان بالشيء على حقه إلى نهاية شأنه، وعند القراء عبارة عن: إعطاء كل حرف حقه: من إشباع المد، وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار، والتشديدات، وتوفية الغنات، وتفكيك الحروف: وهو بيانها، وإخراج بعضها من بعض بالسكت والترتيل والتّؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف، ولا يكون معه غالبا قصر، ولا اختلاس، ولا إسكان متحرك، ولا إدغام.
فالتحقيق يكون لرياضة الألسن وتقويم الألفاظ وإقامة القراءة بغاية الترتيل، وهو الذي يستحسن ويستحب الأخذ به على المتعلمين، من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط: من تحريك السواكن، وتوليد الحروف من الحركات، وتكرير الراءات، وتطنين النونات في الغنات، كما قال حمزة - وهو إمام المحققين - لبعض من سمعه يبالغ في ذلك: أما علمت أن ما كان فوق الجعودة فهو قطط، وما كان فوق البياض فهو برص؟! وما كان فوق القراءة فليس بقراءة؟! والتحقيق يروى
عن أبي بكر [هو مذهب حمزة وورش من غير طريق الأصبهاني عنه وقتيبة عن الكسائي والأعشى عن أبي بكر] وعن بعض طرق الأشنانى عن حفص، وبعض البصريين عن الحلوانى عن هشام، وأكثر طرق العراقيين عن هشام عن ابن ذكوان، وساق الناظم سنده لقراءته بالتحقيق إلى أبى بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الحدر: [فمصدر حدر] بالفتح، يحدر بالضم، إذا أسرع، فهو من الحدور الذي هو الهبوط؛ لأن الإسراع من لازمه، بخلاف الصعود، وهو عندهم عبارة عن: إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين والاختلاس والبدل والإدغام الكبير
وتخفيف الهمز ونحو ذلك، مع إيثار الوصل وإقامة الإعراب وتقويم اللفظ وتمكين الحروف، وهو عندهم ضد التحقيق.
فالحدر يكون لتكثير الحسنات في القراءة وحوز فضيلة التلاوة وليحترز فيه من بتر حروف المد وذهاب صوت الغنة واختلاس [أكثر] الحركات ومن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا تخرج عن حد الترتيل.
والحدر مذهب ابن كثير وأبى جعفر وسائر من قصر المنفصل، كأبى عمرو ويعقوب وقالون والأصبهاني، وكالولى عن حفص، وأكثر العراقيين عن الحلوانى عن هشام.
وأما التدوير فهو: التوسط بين المقامين، وهو الوارد عن الأكثر ممن روى مد المنفصل ولم يبلغ فيه إلى الإشباع، وهو مذهب سائر القراء، وصح عن الأئمة، وهو المختار.