{إذ تلقونه بألسنتكم} .. لسان يتلقى عن لسان ، بلا تدبر ولا ترو ولا فحص ولا إنعام نظر. حتى لكأن القول لا يمر على الآذان ، ولا تتملاه الرؤوس ، ولا تتدبره القلوب! {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} .. بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقلكم ولا بقلبكم. إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه ، قبل أن تستقر في المدارك ، وقبل أن تتلقاها العقول.. {وتحسبونه هيناً} أن تقذفوا عرض رسول الله ، وأن تدعوا الألم يعصر قلبه وقلب زوجه وأهله ؛ وأن تلوثوا بيت الصديق الذي لم يرم في الجاهلية ؛ وأن تتهموا صحابياً مجاهداً في سبيل الله. وأن تمسوا عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلته بربه ، ورعاية الله له.. {وتحسبونه هيناً} .. {وهو عند الله عظيم} .. وما يعظم عند الله إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي ، وتضج منه الأرض والسماء.
ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه ، وأن تتحرج من مجرد النطق به ، وأن تنكر أن يكون هذا موضوعاً للحديث ؛ وأن تتوجه إلى الله تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا ؛ وأن تقذف بهذا الإفك بعيداً عن ذلك الجو الطاهر الكريم:
ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا.
سبحانك! هذا بهتان عظيم..
وعندما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزها هزاً ؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت.. عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم:
{يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين} ..
{يعظكم} .. في أسلوب التربية المؤثر. في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار. مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً} .. ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة: {إن كنتم مؤمنين} .. فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف ، وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير ، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون: