وها هو ذا يثقل عليه العبء وحده ، فيبعث إلى أسامة بن زيد. حبه القريب إلى قلبه.. ويبعث إلى علي ابن أبي طالب. ابن عمه وسنده. يستشيرهما في خاصة أمره. فأما علي فهو من عصب محمد ، وهو شديد الحساسية بالموقف لهذا السبب. ثم هو شديد الحساسية بالألم والقلق اللذين يعتصران قلب محمد ، ابن عمه وكافله. فهو يشير بأن الله لم يضيق عليه. ويشير مع هذا بالتثبت من الجارية ليطمئن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستقر على قرار. وأما أسامة فيدرك ما بقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الود لأهله ، والتعب لخاطر الفراق ، فيشير بما يعلمه من طهارة أم المؤمنين ، وكذب المفترين الأفاكين.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في لهفة الإنسان ، وفي قلق الإنسان ، يستمد من حديث أسامة ، ومن شهادة الجارية مدداً وقوة يواجه بهما القوم في المسجد ، فيستعذر ممن نالوا عرضه ، ورموا أهله ، ورموا رجلاً من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء.. فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور وهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه السلام وفي حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة ، وقد خدشت قداسة القيادة ، ويحز هذا في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم والنور الذي أعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها يصارحها بما يقول الناس ؛ ويطلب منها هي البيان الشافي المريح!
وعندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو يتعطف عليه ربه ، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة ؛ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع ؛ ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك ، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم.